لم يترك لى الزعيم الجزائرى أحمد بن بيلا فرصة الترحاب به على أرض مصر التى جاء إليها فى زيارة قصيرة فى الذكرى ال 50 لانطلاق الثورة الجزائرية عام 1954.. رحب بى فى مقر اقامته بوصفه مصريا مثلما هو جزائرى.. يتمنى لو تنتهى حياته على أرض مصر ويدفن فيها بجوار الذين أحبهم وأحبوه وفى مقدمتهم أخوه جمال عبدالناصر كما يحب أن يقول – كان عائدا فى نفس اليوم من زيارة الى قبر الراحل فتحى الديب الذى عهد اليه جمال عبدالناصر مسئولية التنسيق مع قيادات الثورة الجزائرية وتولى ملفها بالكامل حتى تحقق الاستقلال وارتبط بأوثق العلاقات مع بن بيلا، وشهد – كما قال لى قبل رحيله – منزله فى مصر الجديدة اجتماعات عديدة لقادة الثورة. حدثه الإعلامى الشهير الأستاذ أحمد سعيد عن رغبتى فى إجراء حوار صحفى فوافق على الفور قائلا: العربى فى القلب.. العربى فى القلب.. وحين أطل على بوجهه الملائكى المهيب لم يكن ترحيبه بى تقليديا
أخى سعيد.. ناصر من علامات المنطقة اللى نورت.. لولا مصر ما كانت ثورة الجزائر.. لولا ناصر ما كانت المساعدات للثورة. أتمنى أن أختم حياتى فى مصر.
كان أحمد سعيد أول رئيس لإذاعة صوت العرب هو أول من استقبل أحمد بن بيلا فى مصر، وعن طريقه تم تقديمه إلى ضابط المخابرات المصرى الراحل فتحى الديب لتبدأ قصة مساعدة مصر لثورة الجزائر..يتذكر أحمد سعيد هذا اللقاء قائلا فى مذكراته التى ستصدر قريبا: فى عصر يوم الأحد 27 سبتمبر عام 1953 أبلغنى حارس باب مبنى الإذاعة بشارع الشريفين بحضور شخص من الجزائر يرجو لقاء أى مسئول موجود من أفراد أسرة صوت العرب.. صعد السائل ليدخل على أحمد سعيد فرأى أمامه – كما يقول – شابا باسق الطول تميل بشرته إلى السمرة بينما بدت ملامح وجهه أشبه بنتوءات حادة فى صخور جبل رغم ما تعكسه من بساطة وتشيع من ارتياح مؤثر فى الآخرين.. يضيف أحمد سعيد: حرصت فى هذا اليوم على إعطاء زائرى اهتماما كبيرا رغم انشغالى فى إعداد حلقة الليلة من صوت العرب، وتعليقى الجديد بها حتى إننى طلبت إليه أن يعود لزيارتى الساعة السابعة من مساء نفس اليوم عقب انتهائى من إذاعة البرنامج.. وعاد بالفعل فى الموعد المحدد.
استغرق اللقاء نحو الساعة عرف فيه أحمد سعيد من الشاب الجزائرى أنه قادم من الإسكندرية إلى صوت العرب مباشرة، وتلا هذا اللقاء لقاء آخر شهد فك قدر من الغموض المحيط بهذا الشاب الهارب من السجن بعد القبض عليه لرئاسته التنظيم العسكرى السرى لحزب الشعب الجزائرى، وعلى طعام العشاء ثم أقداح الشاى فى مطعم كازينور المطل على نيل الجيزة تحرر من غموضه الشاب الجزائرى الذى قدم نفسه باسم مزيانى مسعود وهو اسم مستعار اتخذه لنفسه ليؤمن هروبه من الجزائر وبعد أن ساعده أحمد سعيد فى تدبير أمر اقامته فى بنسيون بوسط القاهرة وكذلك شراء بعض الملابس، عكف على كتابة تقرير عما حدث رفعه فى اليوم التالى لضابط المخابرات فتحى الديب قال فيه:
– إن مزيانى مسعود ليس مجرد لاجئ جاء القاهرة طالبا الأمان من ملاحقة بوليسية استعمارية
– إن لديه تحفظا يقظا وعنيدا يمنعه مؤقتا من الاتصال الحر بغير الجزائرى أو المغربى أو التونسى.
– إنه منضبط فى حركاته وايماءاته وبعض ألفاظه العفوية بالفرنسية والعربية مما يعكس بساطة شخصية والتزامه بمهمة ويوحى بسبق نشأته وتربيته عسكريا.
– إن نظرته إلى الزعامات السياسية للتنظيمات الحزبية أو الجمعيات الدينية وعلى رأسها جمعية العلماء المسلمين تتجاوز حرص هذه الزعامات على قصر كفاحها على النشاط السياسى رغم ما حرص على إبدائه يوما من احترام لبعض هذه الزعامات وأغلبها يمثل جماعة العلماء.
– إن شبانا حزبيين كثيرين قد يئسوا من امكان تحقيق مكاسب وطنية بالعمل السياسى.. وإن قيام الثورة واستمرارها فى اتساع أوشك أن يشمل كل بلاد المغرب رغم وجود حكومة مغربية لدى رئيسها آلاف يأتمرون بأمره وحده من المقاتلين البربر يجعلهم يطمحون فى إمكان تجاوز الشعب فى الجزائر لأحزان ومخاوف مذابح سطيف، والتفكير فى تطوير المواجهة مع فرنسا بعمل غير سياسى أكثر ايجابية، وأن ثمة نوعا من التمرد مر بمراحل متعددة بين مجموعة هؤلاء الشبان وقيادتهم الحزبية.
– إن محمد خيضر مسئول الجزائر فى مكتب المغرب العربى بالقاهرة محل ثقة هؤلاء الشبان بحكم مواقفه الصلبة ضد الاستعماريين واعتراضاته قبل حضوره إلى القاهرة وغضبه على استمرار القيادات الحزبية فى لعبة المناورات السياسية والمواجهات السلمية.
– إن ثمة أسماء ذكرها عرضا وهو يروى عن الصراعات داخل التنظيمات السياسية منها ما سبق له أن سمع به أحمد سعيد من محمد خيضر مثل الأمين دباغين وفرحات عباس، ومنها ما لم يسمع عنه أحد بالقاهرة من قبل مثل عبدالحميد مهرى ومحمد بوضياف.
كان هذا التقرير هو اللبنة الأولى فى صرح العلاقات بين مصر بقيادة عبدالناصر والثورة الجزائرية.. كان صوت العرب هو العنوان الذى بدأ تحته تواصل ثوار الجزائر بثوار مصر.. وذلك فى سياق مهمتها التى شيدت من أجلها عام 1953. قلت لأحمد بن بيلا جانبا من هذا الكلام والذى ذكره أحمد سعيد فى مذكراته التى أتيح لى الإطلاع على بعض فصولها قبل صدورها فابتسم قائلا: كان صوت العرب بشيرا بثورة الجزائر.. ودوره فى دعمها حتى النصر جليلا عظيما.. وفضله كبيرا فى توحيد وتثوير وتعريب العمل من أجل الاستقلال.. هناك شيء لم أذكره من قبل عن صوت العرب، وحدثت أخى جمال عنه.. ففى اليوم الذى طلبت فرنسا المفاوضات معنا وحدثنى الأخ جمال عنها جاء وزير خارجيتها، واتفقنا على أن يقدم كل طرف مطالبه، وتقدم الفرنسيون بعدة مطالب.. تصورت أن يتصدرها وضع ال 2.5 مليون فرنسى فى الجزائر، ومزارعهم وممتلكاتهم وكل الأشياء التى تخصهم.. لكن فوجئت بأن الذى يتصدر حديثهم هو صوت العرب.. كان أكثر من جيش بالنسبة لهم.. كان جيش يحارب… هى لليوم إذاعتى المفضلة..أذكر أن أول خطاب وجهته إلى شعبى فى الجزائر من صوت العرب.. كان بالعربية لكنه مكتوب بحروف فرنسية، فالعربية وكما قلت لك كانت ممنوعة.
وفى ختام هذا اللقاء قال عبدالناصر للديب: أنا موافق على مبدأ دعم حركة النضال المسلح بالجزائر ويهمنى أن تتابع التحضيرات بكل دقة وتخطرنى أولا بأول وسوف أقابل بن بيلا فيما بعد.
لا ينسى بن بيلا أبدا قصة أول لقاء بعبدالناصر.. يضحك قائلا: فى أول لقاء بأخى جمال كان يوجد شخص ثالث مترجم لأنه لم يكن يتحدث الفرنسية التى اتحدث بها، وأنا لم أكن اتحدث العربية.. ورغم وجود المترجم.. كانت القلوب تتكلم.. شيء ما كان يتجاذبنا.. قلبى قلبه.. وقلبه قلبى.. اللُحمة كانت واحدة… جمعنا الحب الذى لا يفرق أبدا.. فيه ناس لما يجلسوا مع بعض شيء ما يمر بينهم..هذا الشيء مر بينى وبين الأخ جمال.. أقاطعه متسائلا: هل العلاقة التى نمت بينك وبين جمال عبدالناصر لعبت دورا حاسما فى احتضان مصر للثورة الجزائرية؟. يجيب: فعلا لعبت دورا.. لكن لا ننسى أن هذه العلاقة كانت أهدافها واحدة..أخى جمال كان يقاوم الاستعمار، ونحن نقاومه.. كان يناضل من أجل استقلال أمته، نحن أيضا.. لكن ثورة يوليو كانت هى الحضن، ولولاها ما كان الاستقلال.. كان يمكن أن نستقل ولكن بعد 5 سنوات من وقت ما حدث.. الدفع فى تحقيق الأهداف جاء من التلاحم بين الثورتين المصرية والجزائرية.. تلاحم الرجال فى البلدين.. جمال أصبح أخى.. وكل من معه من قيادات أصبحوا أخوة مثل حسين الشافعى.
كان الفارق الزمنى بسيطا بين قيام ثورة يوليو عام 1952، ومجيء بن بيلا إلى مصر فى 27 سبتمبر عام 1953 أى فترة تزيد على العام بقليل، مما يؤكد البعد القومى المبكر لثورة يوليو لها كان المجيء محسوبا أم مصادفة، ويقول بن بيلا: جئنا إلى ثورة يوليو لأننا رأينا فيها شيئا لم نره من قبل.. أشياء دخلت فى صميم الشعب العربى.. حقيقة شعرنا بأن شيئا جديدا فى الطريق.. شيئا يفجر المخزون الموجود منذ مئات السنين.. شيء يفجر هذه المنطقة العربية التى هى وريث لعظمة الإسلام بحضارته، وتنميته التى صنعها عظام من علمائه وفلاسفته مثل ابن رشد وابن الهيثم والخوارزمى، وجابر بن حيان.. فى مصر رأينا شيئا جديدا مع الثورة.. شيء فيه خصوبة. فجئنا إليه.. أخى جمال كان تتويجا لنضال الوطنية المصرية.. ونحن جئنا إلى مصر بخلفية نضال طويل للشعب الجزائرى.. ثورتنا كان حلقة فى ثورات سابقة.. فطوال وجود الاستعمار الفرنسى والذى استمر 132 عاما.. كان الشعب يثور ثورة كبرى كل عشر سنوات، واستمرت ثورة عبدالقادر الجزائرى 15 سنة.. قلت: المؤكد أنكم استفدتم من هذه الثورات كحلقات فى تاريخ النضال الجزائرى.. فقال: كانت كل ثورة من هذه الثورات تؤهل الشعب الجزائرى لثورة تالية، وبشهادة الاستعمار قتل الفرنسيون فى كل هذه الثورات 7.5 مليون جزائرى وفى ثورتنا الأخيرة دفع الشعب الجزائرى مليون ونصف مليون شهيد.
لم يكن السلاح وحده هو العون والمدد الذى قدمته مصر، بل قدمت شهداء ربما لا تحوى الكتب عنهم شيئا، ولا أنس القصة التى رواها لى بتأثر بالغ المرحوم فتحى الديب عن الصحفى الهامى بدر الدين الذى استشهد وعمره 23 عاما فقط.. قال الديب: دخل إلهامى الصحافة من أبوابها العنيفة.. كان فى بدايات عمله.. مقداما فى اندفاعه.. لا يخاف الموت ويحدوه الأمل فى أن يكون صحفيا كبيرا من خلال معايشته للثورة الجزائرية.. فطلب منى التوجه الى هناك، وأعطيته الإذن بذلك مع تقديم جميع التسهيلات له.. ونزل بالفعل فى منطقة وهران، وظل فيها ثلاثة أشهر، وطلب بعدها أن يدخل إلى منطقة القبائل، وكان يقودها كريم بلقاس.. وبعد 15 يوما من وجوده فى هذه المنطقة، وكانت شديدة الحساسية، وفيها قتال ضار مع الفرنسيين، واستشهد مع بعض رجالها، ودفن هناك، وأبلغت بالعملية، وحاولت أن أنقل جثته الى القاهرة، وفشلنا فى ذلك واعتبرنا أنه استشهد فى أرض الله الواسعة بجانب أشقائه من الجزائريين.. وكان أهله مساكين ومحترمين، وكل ما قالوه حين تلقوا خبر استشهاده: نشهد أن لا إله إلا الله، قلت لأحمد بن بيلا هل كان اعتمادكم فقط على مصر فى امدادات السلاح.. فقال: أمدتنا مصر بالسلاح والعتاد والمال، وحتى السلاح النوعى الذى احتجنا إليه مع السلاح المصرى كان من الزعيم الهندى نهرو..كان السلاح الهندى قويا وأفضل من السلاح الفرنسى الذى يقتلوننا به..كانت خطوة أخى جمال لدى نهرو حاسمة فى إمدادنا بالسلاح، وحاسمة فى التأكيد على أن مصر بثورتها وثقلها الكبير تساعد بل تتبنى الثورة الجزائرية، وهو ما ساعد فى عرض قضيتنا فى المحافل الدولية.. ويضيف بن بيلا: لم تبخل مصر أيضا بالمال، وحتى نذكر للكل فضله، أذكر أن الملك سعود تبرع بمبلغ 100 ألف جنيه هذا على الرغم من أن العالم العربى كان أتعس كثيرا من وقتنا هذا وكان التبرع لمصر وبجهود أخى جمال، على أن تقوم مصر بإنفاقه على كفاحنا.. ويذكر فتحى الديب قصة هذا المبلغ، قائلا إنه كان تبرعا للملك سعود للكفاح بشمال إفريقيا وأبلغنى به السيد جواد ذكرى الوزير المفوض بالسفارة السعودية، وطلب مقابلة السيد زكريا محيى الدين لتسلمى الشيك بحضور سيادته، كطلب الملك سعود، وتم صرف المبلغ بعد تسلم الشيك ليوضع ضمن الرصيد الموضوع تحت طلبى للصرف منه على احتياجات الكفاح المسلح.
التقطت رؤية بن بيلا حول العلم والمعرفة كمصادر إلهام للأجيال الجديدة، وأستأذنه فى تقديم تفسير لظاهرة الكاريزما لزعماء مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية.. مثل جمال عبدالناصر.. وهو.. هل هى تعود الى الظرف التاريخى؟.. فيقول: نعم تعود الى الظرف التاريخى.. الإسلام كل مائة سنة يأتى من يجدد شبابه.. وبصورة أوضح.. جاء رجال فهموا هذا الظرف ومتطلباته التى هى متطلبات الوطن، فمنحتهم الجماهير الحب والتقدير والولاء.. لكن فى رأيى أن المهمة انتهت لهذه الكاريزمات.. فأنت تعيش الآن على أرضك وتتولى سيادتها عكس ما كان.. كانت شروط الظرف التاريخى لجيلنا مختلفة حيث سيطرة الاستعمار على أرضنا، ونهبه لثرواتها.. والقائد الذى يأتى ليقود النضال ضد هذا، ستمنحه الجماهير التفويض، وستقف وراءه.. لا مجال الآن لوجود كاريزما مماثلة لأن الشروط مختلفة.. والبديل فى قوى شعبية فهى المنوط بها الآن القيام بدور الرافع والداعم لمتطلبات الاستقلال والمصلحة، ونحن نحاول فى هذا على صعيد مقاومة ظلم النظام العالمى الجديد. يرى بن بيلا أنه رغم محاولاتهم فى الماضى وثوراتهم ضد الاستعمار إلا أن ظلم النظام العالمى كان، ولا يزال لكنه الآن وصل الى ذروته، وأن ما حدث للعراق هو دليل قطاع على ذلك الذى هو دليل أيضا على الحرب ضد الحضارة العربية الإسلامية بكل معطياتها: أنظر الى الخريطة يا أخى، ستجد المكان الذى فيه بترول فيه إسلام، كرمنا الله به، ولكن هما لازم يتفاوضوا عليه.. أصبحنا فى حالة من الحملة الصليبية الجديدة!.. أقول له: هل هى صليبية بالفعل؟.. يرد: صليبية.. صليبية.. هل المشروع الأمريكى سيهزم فى العراق؟.. يرد: الأمريكان فى مستنقع.. ووفقا لما أسمعه من الداخل العراقى، فإن المقاومة تشن ما يقرب من 200 عملية فى اليوم الواحد.. وهذا ما جعل الأرض العراقية جهنم للأمريكان.. جنود يهربون فى الصحراء، وجنود ينتحرون.. والمقاومة فى التحليل السياسى العام لا تحارب لتحرير العراق فقط، وإنما هى عطلت العدوان المتوقع على سوريا، وضرب إيران، والسودان، كما أنها هزمت الذين توهموا أن العراق سيدخل حربا طائفية فالطائفية ليست وليدة اليوم هى فى المنطقة العربية منذ 14 قرنا، وفى كل الأزمات تعايشت الطوائف، والعراق من أهم دول المنطقة فى ذلك.. أنا مطمئن على الحالة العراقية من هذه الناحية.
* كنت حاكما.. على طول الخط مناضلا. فأى الألقاب تحب؟
– أنا مناضل.. أحب هذا اللقب.. أعاون بلادى.. وأبحث مصلحة شعبى.
* انتقلت من مسئولية الحكم الى ظلام السجن.. فكيف تنظر الى هذه التجربة؟
– لا أنظر الى تجربة السجن من جانبها المر.. لا ابغض أحدا.. وعلى الدوام أرى شعبى ماذا يريد.. قلت قبل ذلك أنا ناضلت والعصمة لله، وعملت لبلدى، وإذا كنت أخطأت فقد سجنت 24 عاما، وإذا كان هم أخطأوا فى حقى فليسامحهم الله.
* من تحمل معك معاناة السجن؟
– أمى الكريمة رحمها الله، وأخواتى الذين توفاهم الله، وزوجتى زهرة التى شاركتنى أتعس لحظاتى، وتحملت حياتى التى حبانا الله بها. تنقلت لزوم التصوير فى أرجاء الحجرة معه ممسكا بيدى فى حنان أبوى بالغ.. وقفت الى جواره وهو يطل من البلكونة بتأمل عميق الى النيل.. كانت مياهه تعكس شمس الأصيل وأشعتها تلامس وجهه الباسم على الدوام.. حفزتنى هذه الحالة الى الرغبة فى طرح عشرات الأسئلة الأخرى، لكنه كان على موعد آخر ومع ذلك سألته: ماذا تشعر وأنت تسير فى شوارع القاهرة؟
أجاب: أسير على أرضى.. وفى بلدى، وأتمنى أن أتحدث مع كل ما يقابلنى.. أشرح له قصة مصر مع ثورة الجزائر.. أقول مصر فى قلبى.. ناصر فى قلبى ولولا مصر لما كانت ثورة الجزائر، وثورات أخرى، مصر كانت كل شيئ.. اليوم الذى جئت فيه القاهرة لم يكن معى شيء.. ووقفت أمام قدرة الفول.. وأطعمتنى.. وأخذنا السلاح والطعام والمال لنحرر بلادنا.. أتمنى لو أتم أيامى فى هذا البلد.. والله هذه أمنية أدعو الله أن يلبيها. وكما بدأ معى هذا الحديث بالكلام عن جمال عبدالناصر، جاء الختام أيضا:
جمال عبدالناصر ظاهرة مضيئة لكل الشعوب العربية والإسلامية، وشعوب العالم الثالث.. هو إنسان ليس معصوما من الخطأ، لكنه ظاهرة نظيفة ومضيئة فى مجملها.. لن تنساه أبدا هذه الشعوب عامة، والشعب الجزائرى خاصة.
حوار خاص جدا مع زعيم الثورة الجزائرية
العربي جريدة الحزب العربي الديمقراطي الناصري