مع وجود فلسطين وقضيتها في الأخبار كل يوم، يصبح من الضروري أن نملك شيئًا من المعرفة بتاريخها، وأن نفهم كيف ولماذا تطورت الأمور على النحو الذي نراه اليوم. وفي هذا المقال، تتأمل فهدة بنت سعود بن عبدالعزيز في عهد الملك سعود. فالمملكة تقدّم اليوم، كما كانت دائمًا، دعمها الكامل للشعب العربي في فلسطين. وكما في الأزمنة السابقة، تواجه المملكة حملة دعائية ودبلوماسية ظالمة من أمريكا وإسرائيل. إن التاريخ لا يتأخر في تكرار نفسه؛ ولتفادي ذلك، علينا قراءة التاريخ، وفحصه، وفهم أحداثه لمعرفة ما الذي حدث، ولماذا حدث، وكيف يمكن منع تكراره.
كانت قضية فلسطين شوكة في خاصرة العلاقات السعودية–الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية. وباعتبارها قوة عالمية ذات قواعد عسكرية ومصالح في الشرق الأوسط، بدأت الولايات المتحدة لعب دورها في المنطقة فور انتهاء الدور البريطاني.
وبصفته قائدًا لبلد عزيز على قلوب المسلمين، عارض الملك عبدالعزيز بشدة الحركة الصهيونية والهجرة اليهودية إلى فلسطين. وقد أثار غضبه ما صدر عن مؤتمر صهيوني في أمريكا يدعو إلى إنشاء دولة يهودية، فهدد بقطع العلاقات مع بريطانيا والولايات المتحدة إذا دعمتا ذلك التوجه.
أرسل الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت مبعوثه الخاص هاري هوبكنز إلى الرياض في مهمة تقصّي حقائق. التقى هوبكنز الملك عبدالعزيز في 14 أغسطس 1943، وبعد ذلك أبدى روزفلت اهتمامًا بمناقشة القضية شخصيًا مع الملك. والتقى الزعيمان قرب نهاية الحرب العالمية الثانية في فبراير 1945. وفي ذلك اللقاء التاريخي، ناقشا قضية فلسطين ووضعا أسس العلاقات بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة. وقبل وفاته بأسبوع واحد، وفي رسالة مؤرخة في 5 أبريل 1945، وعد روزفلت الملك عبدالعزيز بأنه، كرئيس للولايات المتحدة، لن يتخذ أي موقف عدائي ضد العرب، وأن الولايات المتحدة لن تغيّر سياستها الأساسية تجاه قضية فلسطين دون التشاور مسبقًا مع العرب واليهود.
لكن الأمور تغيّرت جذريًا عندما تولّى هاري ترومان الرئاسة بعد وفاة روزفلت. ففي خطوة مناقضة لتعهد روزفلت، لعب ترومان دورًا رئيسيًا في توطين مئة ألف يهودي في فلسطين. وفي مايو 1946، قدّم السفير الأمريكي لدى السعودية استقالته احتجاجًا على نقض ترومان لوعد روزفلت للملك عبدالعزيز.
وهكذا انفجرت على الساحة الدولية أخطر الجهود الصهيونية لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين. ومن جانبهم، تداعى القادة العرب إلى مؤتمر عقد في أنشاص بدعوة من الملك فاروق في 28 مايو 1946. ومثّل السعودية في المؤتمر ولي العهد الأمير سعود بن عبدالعزيز. وشارك فيه أيضًا الرئيس السوري شكري القوتلي، والملك عبدالله ملك الأردن، والأمير عبدالله وصيّ عرش العراق، والرئيس اللبناني بشارة الخوري، وسيف الإسلام بن يحيى من اليمن. وأصدر المؤتمر بيانًا أكد أن «قضية فلسطين ليست قضية الفلسطينيين وحدهم، بل قضية جميع العرب»، كما أدان الموقف البريطاني من القضية.
كان ولي العهد سعود قد ارتبط وجدانيًا بقضية فلسطين بعد جولة رسمية عام 1935 شملت مصر وشرق الأردن وفلسطين. وكان أول أمير سعودي يزور القدس، ورافقه وفد ضم فؤاد حمزة، مدحت شيخ الأرض، خير الدين الزركلي، وصالح العلي. وقد جاءت الجولة تنفيذًا لتوجيه الملك عبدالعزيز للاطلاع على أوضاع فلسطين، وتقديم العون لأهلها، وتخفيف معاناتهم. وقد لقي ولي العهد استقبالًا حارًا في فلسطين، وصلّى في المسجد الأقصى في القدس والمسجد الإبراهيمي في الخليل. وعند وصوله إلى بلدة عنبتا، استمع إلى الشاعر عبدالرحيم محمود يلقي قصيدة في مدحه، وقد أثرت فيه القصيدة بشدة، خاصة البيت الذي قال فيه:
«مسجد الأقصى: أزرتَ لزيارته أم جئتَ تودّعه قبل الضياع؟»
فخاطب ولي العهد الحشود بصوت جهوري مؤثر قائلًا: «والله لن نودّع فلسطين ما دام الدم يجري في عروقنا».
وجّه الرئيس ترومان دعوة رسمية لولي العهد سعود لزيارة واشنطن لبحث العلاقات السعودية–الأمريكية المتوترة وقضية فلسطين. وصل ولي العهد إلى نيويورك في 13 يناير 1947، برفقة وفد ضم الشيخ فؤاد حمزة، سليمان الحمد، علي رضا، الدكتور رشاد فرعون، الدكتور أديب انتابي، والشيخ فهد بن قريديش. وأجرى مباحثات مطوّلة مع الرئيس ترومان في 16 فبراير 1947 في البيت الأبيض. وعند مغادرته الاجتماع، قال ولي العهد للصحافة إن الرئيس ترومان وعد بالحياد وعدم الانحياز لليهود. وذكّر ولي العهد مضيفه بتعهد روزفلت بشأن فلسطين وبموقف واشنطن من المطالب العربية. وشرح لترومان من جديد الحقوق الثابتة للعرب في فلسطين، معددًا النقاط التالية:
- عدم شرعية مشروع التوطين اليهودي؛
- مكانة القدس وأهميتها لجميع العرب والمسلمين؛
- الأغلبية العربية في فلسطين.
لكن نتيجة الاجتماع كانت مخيبة للآمال، إذ لم يدرك ترومان – على خلاف سلفه – أهمية القضية الفلسطينية.
ولم تتغير السياسة الأمريكية المؤيدة للصهيونية عبر السنين، وهو ما تؤكده الأحداث الجارية اليوم. فقد أصبح الانحياز الأمريكي أكثر وضوحًا وصراحة، ولم يعد مستترًا.
ومع ذلك، لم تتوقف المملكة عن جهودها، بل مضت أبعد في دعم القضايا العربية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. ففي اجتماع مع وزير الخارجية البريطاني أنتوني إيدن في فبراير 1947، دعا ولي العهد إلى انسحاب القوات البريطانية من مصر، كما ناقش قضية فلسطين وتوتر العلاقات المصرية–البريطانية.
وبعد أشهر من زيارة ولي العهد سعود لواشنطن، صوّتت الولايات المتحدة في الأمم المتحدة في نوفمبر 1947 لصالح تقسيم فلسطين وإنشاء دولتين: واحدة لليهود وأخرى للفلسطينيين. وقد أثار ذلك غضب الملك عبدالعزيز. وأرسل وزير الخارجية الأمريكي روبرت لوفِت عبر الوزير المفوض الأمريكي في جدة ردّ حكومته على النقاط التي أثارها ولي العهد خلال زيارته لواشنطن. وادّعى لوفِت أن تصويت بلاده كان من أجل السلام، وأشار إلى أن الولايات المتحدة فرضت حظرًا على توريد الأسلحة إلى فلسطين والدول المجاورة بينما كانت قضية الأمن قيد النظر في الأمم المتحدة.