اعمال انسانية بقلم محمد الطيار


صفات عالية وأخلاق إنسانية فاضله يتبنى رعايتها عظماء الملوك .. ويعطون صورة حية عن أعمال الخلفاء والفاتحين

نامت المدينة ، واستراح الناس من عناء العمل ، فانصرف البعض إلى فراشه ليأخذ قسطاً من النوم الهنيء ولبث الآخرون جماعات يحيون بعض ساعات الليل في حديث وسمر...

كان السكون يشمل الكون ، والشوارع تكاد تكون خالية خاوية من الناس ، وعلى مقربة من المنازل المتطرفة والقريبة من الميناء كنت تسمع خرير المياه تارة وأخرى تسمع وقعاً خفيفاً لقدمي إنسان .. شبعه آخرون .. كان هذا الإنسان في العقد الخامس من عمره يزين وجهه شارب جميل ولحية سوداء الشعر ، فارع العرد رشيق الحركة ، مشرق الأسارير ، كان يتقدم صحبه المخلصون ..

أنه يقوم كعادته كل مساء بجولة في أحياء المدينة يتفقد أحوال الرعية ، ويطلع على أعمال الناس ويراقب شؤون الدولة مراقبة دقيقة ومجدية أنه مليك البلاد وعاهلها المحبوب ، إنه سعود الحبيب إلى كل قلب ... أنه يريد أن يعيد سيرة الإمام المكرم عمر بن الخطاب رضوان الله عليه حين كان يجوب أحياء المدينة باحثاً منقباً عن البائسين والمحتاجين مصغياً السمع إلى صوت المساكين والمظلومين مستغفراً المولى على ما تقع عليه عيناه من مظاهر الفقر والفاقة داعياً إياه سبحانه وتعالى أن يمده بقوة من عنده ويهيء له من أمره رشدا ...

وهاهو أمام المسلمين اليوم يجوب الشوارع ويتنقل بين الأحياء متفقداً مستطلعاً أمور الرعية باحثاً عن البائسين والمحرومين ليجيرهم ويؤمنهم من خوف ويرد عنهم غائلة الأيام ، ويدفع عنهم نوائب الظروف القاسية وغضبة الأيام والأعوام ...

كم من أسرة بائسة أقعدها الدهر عن السعي لطلب الرزق ، فانزوت في عقر دارها تناجي الله مولاها القدير أن يهيء لها رزقاً حلالا من حيث لا تحتسب ...

وكم من مرة تناجى إلى سماع العاهل الكبير مثل هذه المناجاة فهب لنجدتها ، ومد يد العون والمساعدة إليها ، فكأن الله تعالى استجاب لدعاها وأرسل إليها من يحمل قلباً رحيما يجد في إسعاف البؤساء والمعوزين لذة لا تعادلها لذة في الوجود ...

في إحدى الأمسيات كنت أجلس في مكان منعزل من الكعبة المشرفة أتعبد و أتهجد محاولاً الاعتكاف والوحدة ، وبينما أنا في استغراقتي الروحية إذ تهادى إلى جانبي رجل عجوز هزيل الجسم منهوك القوى وراح " يطقطق " في سبحة كانت قد تدلت من يده ، ويذكر اسم الله تعالى عشر مرات كلما نزلت حبة من حبات السبحة من يده ...

وراقني الشيخ الهرم ورحت أراقبه عن كثب . وبعد مضى فترة من الوقت رفع يديه إلى السماء وقال بصوت متهدج ...

اللهم يا مجير المستجيرين وأمان الخائفين وناصر المظلومين ، إلهي بجاه عظمتك وجلال قدرتك أنصر سعودنا ، واعز قادتنا ، واحفظ مليكنا واحرسه وسدد خطاه بجنود من عندك ياقوي يامتين ...

وبينما كان الشيخ يردد هذه الابتهالات إذ تهدج صوته وطفرت الدموع من عينيه وراح يبكي .. ولم يستطيع الاسترسال بدعائه ، فراح يبكي بصوت مرتفع ...

كانت الظلمة تغشي المكان .. ولم يكن هناك أحداً غيري ... وكان الشيخ على ما يظهر لم ينتبه إلى وجودي بجانبه إذ أطلق للسانه العنان واستغفر الله ودعاه ... وبعد قليل كفكف دموعه وتناول سبحته وعاد سيرته الأولى إلى " طقطقتها " على ذكر اسم الله تعالى ...

ولما أيقنت أنه قد هدأ روعه وشفي غليله اقتربت منه و ألقيت يدي على كتفه وأنا أقول :

رأيت منك العجب أيها الرجل الفاضل .. وكأن الرجل بوغت بوجودي فالتفت ناحيتي على عجل وبعد أن استعاذ بالله من الشيطان وقال:

أين كنت أيها الحاج طيلة هذا الوقت ؟ فقلت : هنا بجانبك ..

فقال : ويح الكبر كم يبعث على الخجل .. وأنا الذي كُنت اعتقد أنني الوحيد في هذا المكان .. وقلت بصوت هاديء:

بالله عليك يا عمي الشيخ آلا حدثتني بقصتك ورويت لي سبب بكائك أشبعت فضولي من أخبارك ..

و بعد تردد لم يدم طويلا التفت إلي و قال :

اسمع يا بني سأروي لك قصتي .. ولكنني لن أبوح لك باسمي، ذلك لأن الله قد أمر بالستر على عباده .. أما قصتي فإني أرى أن من حق العالم الإسلامي أجمع أن يطلع عليها لأنها تخصه هو، و أما اسمي فإني أرى أنه من حقي وحدي الاحتفاظ به ..

أنا يا بني كنت في يوم من الأيام سعيد قومي وزعيم عشيرتي, وكنت أملك أموالا طائلة جاءتني عن غير طاعة الله ورسوله .. لقد كنت أرأس عصابة مؤلفة من نيف ومائة فارس, وكنا نرابط في وسط الصحراء نتربص للقوافل التي تمر منها, حتى إذا بدت طلائع إحداها انصببنا عليها انصباب الصاعقة واستولينا على ما تحمله من بضائع و أموال, واستقنا أمامنا قطعان الماشية والحيوانات التي تحتوي عليها بعد أن نكون قد أجهزنا على جميع الأشخاص الذين يرفقونها .. وكم تعرضنا لقوافل الحجيج وفتكنا بعدد منهم وأخذناهم دون شفقة ولا رحمة .

وحدث الانقلاب السعودي ووفد المغفور له الملك عبد العزيز إلى الحجاز ، فاتحاً منصوراً وخيل إلينا باديء الأمر أن هذا الفاتح الجديد لا يختلف عن سابقيه وسيكتفي بالاستيلاء على موارد الحجاج وما يرد من هدايا للمسلمين ... ثم يغمض عينيه عن أعمالنا أو بالأحرى لم يجرؤ على أن يمسنا بسوء خوفاً ورهبة لاسيما وأنني لست الوحيد الذي أؤلف مثل هذه العصابة وأقوم بمثل هذا العمل ، بل هناك عشرات غيري يقومون بمثل ما أقوم به أنا ... فلو أراد " غفر الله له " أن يجد علينا حملة لما كفاه جيشه الذي يحاول بواسطته استتباب الأمن داخل المدن واستكما سيطرته على أجهزة الحكم في البلاد... ولكنه ما عتم أن خيب ظننا إذ راح يجرد حملات قوية ضدنا ، كانت جنوده كمردة جبابرة فانهم مهما بلغوا من قلة العدد وضآلة المعدات فقد كانوا يدحروننا في أقصر وقت وأسرع مدة وكان أفراد عصاباتنا يتساقطون الواحد تلو الآخر ، وقد حاولت الصمود في وجه القوات السعودية أياماً طوالا ، ولكنني ما عتمت آخر الأمر أن ألقيت سلاحي ولذت بالفرار ... مضى علي أعواماً عدة وأنا هائماً على وجهي لا بيت يأويني ولا مال يسندني بعد أن أصبح الحكم في البلاد لآل سعود . وبلغ بي المرض والتعب والجوع مبلغاً عظيماً فدب اليأس إلى قلبي وتمنيت الموت مرات عديدة ولكن الموت عز علي ، وكأن الله سبحانه وتعالى أراد لي الحياة لكي يذيقني هذا العذاب ويتيح لي الفرصة للتكفير عما ارتكبته من جرائم وآثام . وأخيراً عزمت على دخول مكة المكرمة والمكوث فيها ولو أدى ذلك إلى إلقاء القبض علي والاقتصاص مني ، وفي مكة حاولت استرداد شخصيتي السابقة كرئيس مرهوب الجانب ولكنني لم أفلح في ذلك . وزادت أحوالي سوءاً وخيم شبح الفاقة فوق رأسي وكنت أقيم في أحد البيوت المهدمة الواقعة في أطراف المدينة مع زوجتي المريضة التي شاركتني حياتي السعيدة وحياتي التعيسة ... وكانت في حياتي الأولى تحاول إقناعي على الرجوع إلى جادة الصواب والكف عن إيذاء الناس وانزال الضر بهم ، وكانت حياتي الثانية تحثني على تقديم نفسي للعدالة للاقتصاص مما جنته يداي الأثيمتين ولو أدى ذلك إلى قتلي وقتلها ... ولكنني كنت اتشبث بالحياة كما يتشبث الغريق بقطعة من الخشب ... وفي ليلة شاتيه ممطرة كان الهواء فيها يضرب النوافذ ويتغلغل في جوانب الغرفة الرطبة التي تسكن فيها والبرد يزداد شدة وحدة فأشعر به وهو يتسلل إلى عظامي النخرة فيكاد يذيبها تحت ضرباته القوية ، وكانت زوجتي تئن أنيناً موجعاً فقد كانت مريضة مرضاً شديداً ويخيل للناظر اليها أنها مشرفة على أبواب الأبدية ... وكان الجو يفتك في أحشائي ، بعد أن مضى علي ثلاثة أيام بلياليها لم أذق طعاما ، لا أنا وزوجتي ، واستبدت الهموم في نفسي وشعرت بموجه من الألم ، والحزن العميق يجتاح كياني ، فلم أشعر إلا وأنا أندفع من الغرفة إلى باحة الدار ورفعت يدي إلى السماء وأخذت أنادي بكل ما أملك من قوة أن يا إلهي كفاني عذاباً وشقاء وكفى زوجتي مرضاً وبلاء ، يا إلهي أمسك هذه الحياة عني فإني أخذت استثقل طلي على الأرض ، ثم طفقت الدموع من عيني وأخذت أجهش في البكاء بصوت مرتفع .

وما أن مضى بعض الوقت على موقفي هذا حتى طرق الباب ، وكان الطارق جلالة الملك سعود أيده الله ، فلما رأيته تهالكت على أقدامه ورحت أسرد له قصة حياتي بكاملها منذ اليوم الذي حملت السلاح في وجه الحق والأنانية إلى تلك اللحظة التي أدلي فيها باعترافي وكان جلالته يصغي السمع إلى وهو صامت لا ينبث ببنت شفة ، وما أن فرغت من حديثي أخذ يربت على كتفي بيده الكريمة وهو يقول:

أبشر يا شيخ ... أبشر ... إن رحمة الله قريب من المؤمنين ...

وفي اليوم التالي أرسل يدعوني إليه ، وبعد أن منحني الأمان وأخذ علي العهد أن أقضي ما تبقى من عمري مستقيما شريفاً لا أحاول تعكير صفو الأمن ولا أحاول العبث بالقوانين والعدل في البلاد .. أمر لي بجراية تفي الحاجة وتبلغ المرام ، وتؤمن لي حياة هانئة رخية لا تعب فيها ولا ضنك ... وكان من نتيجة ذلك أن عاد الأمل إلى صدري وتماثلت زوجتي للشفاء وقد آليت على نفسي أن أدعو لمليكنا المحبوب بالسعادة والمجد وطول العمر ... وفي جولة ملكية سامية قام بها صاحب الجلالة متفقداً أحوال المملكة مستطلعاً شؤونها ، وقعت له بعض الحوادث الطريفة والحكايات المستملحة التي ترمز إلى ما يتمتع به جلالة الملك السعودي من روح شعبية واخلاق رضية ونفس ديمقراطية وحب للرعية ...

فقد تصادف أن زار المنطقة التي فيها الخط الحديدي الحجازي الذي يربط دمشق الفيحاء بالمدينة المنورة وشاهد الحال المؤسف الذي عليه هذا الخط ، فسارع جلالته إلى التبرع بالملايين لتنفق على إصلاحه واعادة تسييره كما كان عليه في السابق وعلى أحسن ما يكون من الطراز الحديث ، ولم يكتف جلالته بذلك بل أصدر أمره الكريم بتأليف لجنة مكونة من أعضاء سوريين وأردنيين وسعوديين لدرس احتياجات هذا الخط ، أو هذا الشريان الحيوي الهام ،وفعلاً تشكلت هذه اللجنة وبحثت الموضوع على ضوء الدراسات الحديثة وما انتهت اللجنة من مهمتها هذه وقدمت العروض لجلالته فأمرها بوضع العروض أمام الدول العالمية لتقوم شركاتها بالكشف على الخط وإعطاء النتيجة الحاسمة لجدول التكاليف اللازمة لإنجازه والتزود عليه ، وسباشر بأجراء تمديدات القضبان الحديدية فور رسو المناقصة على الشركة التي تحصل على الامتياز القانوني ...

وحدث في إحدى الزيارات الملكية التي قام بها جلالته لبعض المناطق الشرقية ، وفي أثناء تجواله في إحدى أسواقها حيث كان يسير منفرداً وعلى مبعدة منه بعض رجال الحاشية ، وفجأة وقعت أنظاره الكريمة على عامل فقير يحاول مزاولة عمله المرهق بجهد ظاهر والعرق يتصبب من جبينه والتعب أنهك جسمه وكاهله فاقترب منه ومد يده الكريمة فمسح بعض قطرات العرق التي كانت تتساقط من جبينه وتفضل جلالته فسأله عن شؤون معيشته ، فما كان من الرجل حين علم حقيقة الرجل الذي يتحدث إليه وشخصيته الملكية الرائعة إلا أن تهافت على يدي جلالته يقبلها ويدعو له بطول العمر والبقاء ، ثم راح يقص على جلالته الكثير من شؤون حياته وما يلاقيه من جهد وإرهاق لاسيما وانه ضعيف البنية هزيل الجسم فاقد القوى وعليه أن يعول أسرة مؤلفة من عدة أطفال صغار وترقرقت الدموع في عيني جلالة الملك الغيور ، وجلالته رقيق القلب سمح الأخلاق ، فالتفت إلى أحد رجال الحاشية الذي كان قريباً منه وأمره بتزويد الرجل بمبلغ من المال يعينه على قضاء حاجاته الحياتية ويدفع عن شر المذلة والسؤال ... وانصرف المليك الديمقراطي ودعاء الرجل يتردد صداه في أرجاء المكان ...

وحادثة أخرى وقعت لجلالة الملك سعود أثناء تطوافه في جهة ما من المملكة السعودية فقد حدث في أحد الأيام وبينما كان ماراً بمفرده من أحد الشوارع رأى رجلاً قد افترش الأرض وراح يبكي بكاءاً مراً ويندب حظه العاثر بصوت يقطع نياط القلوب ، فتقدم جلالته منه وربت على كتفه وقال مخاطباً إياه:

ما بالك تبكي أيها الأخ العزيز ...

ودون أن يلتفت الرجل جلالته أو يعرف شخصيته صاح ...

ناشدتك الله أيها الإنسان إلا تركتني لشأني وتخليت عني ...

وهنا ابتسم جلالته حين علم أن الرجل ما يزال يجهل شخصيته الكريمة ، أعاد الكرة فربت على كتفه وأعاد عليه السؤال ، وعاد الرجل كذلك إلى حديثه ... قلت لك دعني وشأني ، واتركني لآلامي أما كفاني مالا قيته من دهري ، .. وما نزل بي من مصائب حتى تجيء أنت فتزيد مصائبي وآلامي ...!

فما كان من جلالة الملك إلا أن استري على الأرض بجانب الرجل وهو يقول بصوت عطوف حنون .. حدثني عن مصيبتك وستجدني صديق لك .. هيا قل لي ماذا يبكيك ؟.. فصاح الرجل دون أن يرفع رأسه عن الأرض آه يا رب ... كيف أحدثك عن أمري ، وكيف أفاتحك به ، وأنت غريب عني وقد لا تصدقني .. فقال جلالته : إذا كنت صحيح أني لا أصدقك فعلى الأقل أصدق دموعك هذه وسأعمل على تخفيف هذه الدموع بما أستطيع إن شاء الله ... وهنا رفع الرجل رأسه ووقعت عيناه عليه ، وكم كانت دهشته بالغة حين وجد نفسه جالساً إلى جانب جلالة الملك كتفاً إلى كتف ، وكان جلالته يبتسم طروباً ، وهب الرجل وقفاً على قدميه وهو يرتجف من هول المفاجأة ، وسارع المليك إلى تهدئة روع الرجل وإشاعة روح الثقة والاطمئنان في نفسه ، وبعد ذلك دعاه إلى أن يقص عليه قصة كاملة ، وطفق الرجل يروي تلك القصة وجلالة الملك يستمع إليها ، وكانت تدور حول شخصية هذا الرجل الذي كان يملك سيارة يقودها بنفسه ويحصل على معيشته من وراء الاشتغال فيها ، وحدث في إحدى الأيام أن شبت النار في هذه السيارة قضاء وقدراً والتهمتها فوجد الرجل نفسه في الشارع عاطلا عن العمل لا يملك من حطام الدنيا شيئاً ، وضاقت في عينيه الحياة لا سيما وأنه قد خلف وراءه في البيت أسرة كبيرة تطالبه بأداء واجبه نحوها وتزويدها بما تحتاجه من غذاء وكساء ، ولم يجد الرجل متسعاً له إلا افتراش الأرض والبكاء على ذلك الطلل الدارس الذي يتمثل في هيكل السيارة الملتهبة ...

وطمأن جلالة الملك الرجل على مستقبله و أمر حالاً بإعطائه سيارة من طراز سيارته المحترقة وبذلك فتح أمام هذا البائس المسكين فسحة الأمل والواسعة التي تحيل حياته القاسية إلى جنبات وارفة الظلال. [1]

 

References

  1. ^ كتاب (رحلة الى ينبع) بقلم محمد السلاح الصحفى الطيار