10 سنوات في رحاب الكويت.. الإمام عبدالرحمن آل سعود وحاشيته

إعداد: فرحان عبدالله الفرحان:


منزل ومسكن ودار حوش بن عامر أو آل العامر التي سكنها الإمام عبدالرحمن والد الملك عبدالعزيز آل سعود ابان وجودهم في الكويت.
كثير من العائلات الكويتية، التي برزت في أول تاريخ الكويت، فقدت بريقها مع مرور الزمن بل فقدت امكاناتها المالية وهذه سنة الحياة.

كان هناك احمد بن رزق اكبر مليونير عرفته الكويت قبل ثلاثة قرون، وقد اشاد به الشيخ عثمان بن سند في كتابه «سبائك العسجد»، كان هناك آل بن نومان آل الحداد، ويمكن القاء نظرة على اسماء المساجد القديمة التي كانت موجودة قبل ثلاثة قرون وتغيرت مسمياتها مثل مسجد بن بطي ومسجد سعيد بن بحر امام قصر السيف، كل هذه الاسر تراجعت، وكذلك هناك اسرة آل بن عامر على اعتبار المسميات قديما «بن» فيقولون بن فرحان، واليوم مازالت اسرة آل النصف متمسكة في كلمة «بن نصف» وهذا شيء جيد.

المهم انه كان من ضمن العائلات القديمة آل بن عامر، الذين لم يبق منهم من يحمل الاسم الا احمد العامر صاحب ورئيس تحرير صحيفة «الوطن» ومؤسسها سابقا.

هذه الاسرة آل بن عامر كانت في تأسيس الكويت «تحن وترن» كانت من كبار تجار الخيل في هذه البلاد، فضلا عن آل البدر وغيرهم من الذين يتعاطون هذه التجارة.

اسرة من هذا النوع لا بد ان يكون عندها منزل يناسبها وموقع مناسب، لهذا كان منزلها ومسكنها في وسط المدينة على مقربة من براحة السبعان وعلى مقربة من سوق الكويت الرئيسي المطل على البحر.
في نهاية القرن التاسع عشر كان قد افل نجم آل بن عامر ولم يعد لهم ذكر بارز وظل هذا البيت وحوشه خاويين، وكان هذا البيت ملاصقا لبيت عبدالرحمن حسين الزنكي والد حسن وعبدالله وعلي ومبارك وزوجته هميان عيسى الحاي، واستطيع ان احدد بيت العامر وهو على مقربة من مسجد البحر، هذا المسجد الذي بناه المرحوم محمد عبدالرحمن البحر (محمد الاول) على انقاض مصلى كان جزءا من المقبرة القديمة، وكانت الفسحة الشرقية من المقبرة المطلة على براحة السبعان هي المصلى في تلك الحقبة من الزمن.

ومع تطورات الاحداث في نجد والجزيرة العربية في نهاية القرن التاسع عشر كان مأمور آل سعود في نجد، وهو ابن رشيد، قد انقلب عليهم وخان الامانة واستولى على الرياض وكان حظ الكويت ان يصل الامام عبدالرحمن الفيصل آل سعود الى الكويت.

واقول.. وكأن التاريخ يريد ان يسجل الالفة والمحبة والوفاء بين هذا الاسرة حكام الخليج والسعودية ليشد بعضهم بعضا وقت الشداد، وينصح بعضهم بعضا لحماية امتهم وشعوبهم، وهكذا كان في نهاية القرن التاسع عشر، كان الامام عبدالرحمن الفيصل آل سعود عند اخيه مبارك الصباح إبان احتلال مدينة الرياض.

ويعود التاريخ ويكون الشيخ جابر الاحمد ضيفا، ابان احتلال دولة الكويت، على المملكة، وهكذا من الله على الجميع بالمحبة والالفة.

وهنا يسرني ان انقل فقرة من كتاب «فجر الرياض» صدر عن دارة الملك عبدالعزيز آل سعود يقول في صفحة (39-40):

لقد حل الامام عبدالرحمن الفيصل بابنائه واهله ضيفا على آل صباح، في منتصف عام 1310هـ (1892) بعد رحلة استغرفت عامين الا قليلا، منذ ان فارق الرياض، وتجول خلالها بالبادية، والبحرين، وقطر، ثم استقر في الكويت بموافقة الدولة العثمانية، وبين آل سعود وآل صباح صلة قرابة من قديم، فصباح الذي ينسبون اليه، امه لؤلؤة بنت محمد من بني مرخان جد آل سعود.. وليس صحيحا ما ذهب اليه لوريمر من ان الامام عبد الرحمن قد استقر في الاحساء في الفترة من نوفمبر عام 1892 حتى عام 1897.

وكان الامام عبدالرحمن، وابنه عبدالعزيز مقيمين بالكويت بجوار مبارك، يراقبان تلك الاحداث.. واعينهما على نجد، وما يدور فيها.. يستطلعان اخبار من القادمين منها.. ومبارك يستشير الامام عبدالرحمن في كثير من الامور.. وعبدالعزيز في فؤاده جذوة متقدة.. ونفسه متوثبة.. يود ان يخوض غمار ذلك الصراع، ولكن لاسترداد المسلوب.. ومما زاد الجذوة اشتعالا في نفسه وفؤاده.. انه وصلت للامام عبدالرحمن مكاتبات من اتباعه في نجد يحثونه».

يقول في الفترة التي نقلت من كتاب «فجر الرياض» ان الامام عبدالرحمن حل ضيفا على آل الصباح.

لكننا هناك من حقنا، وللتاريخ، معرفة اين حل الامام عبدالرحمن بالنسبة للسكن والاستقرار طيلة السنوات العشر تقريبا التي قضاها في الكويت.

من المؤكد انه كان يلتقي ويجتمع ويسمع من القادمين من نجد، وهو يتابع مآسيهم واوضاعهم ويتحسسها اثناء اقامته في ارض الكويت، وعند وصول الامام عبدالرحمن لم يكن مجيئه الى الكويت مفاجئا بل سبقه استعداد لذلك وكان ان بحث له عن مكان ومنزل مناسب ولائق في مقامه وكان ان استقر النظر الى بيت العامر الذي ظل زمانا طويلا غير مسكون، وكما قلت اسرة العامر اصبحت في حكم التي انتهت واصبح هذا المنزل الكبير الذي يضم مسكنا للحريم وديوانا وحوشا للغنم والبقر وقرية من براحة السيعان حيث تنيخ الجمال لتفرغ حمولتها وتحمل بضاعة اخرى عندما تريد ان تتجه الى نجد، ويمكن ان يلتقط اخيار نجد وقرب هذا المنزل مصلى كان جزءا من المقبرة القديمة التي اندثرت.

ان المنزل ممكن ان نحدده وهو اذا كنت قرب مسجد البحر القريب من سوق الخضار الحالي ووقفت امام الزاوية الجنوبية الشرقية فيكون اليوم امامك مقهى احتل بعض مساحة من الرصيف الى امتداد خمسين مترا الى جهة الشرق فهذا هو بيت حوش العامر الذي عرف فيما بعد ببيت «المناز» حيث استغل بعد مغادرة الامام عبد الرحمن بسنوات بصناعة الجريد من النخل وصناعة سرير للاطفال من هذا الجريد، وسرير الاطفال هو «منز» وجمعه مناز.

يلاصق هذا المنزل منزل او مسكن عبد الرحيم حسين الزنكي والشيء الغريب ان هناك منزلا اخر لال العامر هو جزء من قيصرية المعجل الحالية وقد اشتراه المرحوم عبد الرحمن المعجل سنة 1938 وكان يجاور بيت العامر هذا، منزل ومسكن ال الزنكي ايضا فان العائلتين كانتا في القرن التاسع عشر لهما مسكنان لاسرهما: واحد قرب مسجد البحر والثاني قرب المدرسة المباركية.

اعود الى المسكن الذي اقام به الامام عبد الرحمن منذ سنة 1892 – حتى سنة 1901، كانت خلال هذه الفترة جل العائلات الكويتية تجل الامام عبد الرحمن وكنت كما سمعت انه يزور بعض دواوين الكويت عندما توجه له الدعوة وكان من ضمنها ديوان الخميس في منطقة شرق المدينة وكان يتوجه الى الديوان غالبية الوجهاء من المنطقة للسلام والترحيب على مقدم الامام عبد الرحمن وكان يرافقه في هذه الزيارة وهو يستمع ويتابع الاحداث والتمنيات بل كان هناك كثيرون يفكرون بالاستعداد لاسترجاع الرياض.

كان الملك عبد العزيز ، أو في حينها الامير عبدالعزيز ابان وصوله الى الكويت مع اسرته صغير السن. ترعرع في الكويت، وقد اقام وهو في الكويت في هذا المنزل مع والده ووالدته وبقية افراد الاسرة ثم تزوج من وضحى بنت محمد بن برغش بن عريعر، وقد انجبت ولده البكر تركي، وفي الوقت الذي كان الملك عبد العزيز يجري الترتيبات مع اخوانه لاستعادة مدينة الرياض انجبت له سعود (الملك سعود فيما بعد) كانت هذه الزوجة وبقية افراد الاسرة في عمل متواصل لاستقبال الضيوف وكانت هذه من خلف الكواليس هذه مهمتها ومع العمل المتواصل نضب حليبها لطفلها (سعود) وكان الجيران وعلى رأسهم زوجة عبد الرحيم الزنكي وهي كما قلت (وهميان الحاي) وكان الحظ لها هميان عيسى الحاي ام علي ومبارك ان تولت المهمة وظلت ترضع الامير سعود حتى غادرت الاسرة الكويت الى نجد والرياض وهي تتولى رعايته، والسبب كما قلت ان والدة تركي سعود كانت مشغولة في مهمات كثيرة هكذا كان الوفاء للجيران على مستوى جيران المنزل وعلى مستوى جيران الدول، وقد عمرت طويلا حتى توفاها الله، وكان بيت العامر ابان تواجد الامام عبد الرحمن خلية نحل، حيث تحط الركبان الى راحة السبعات تنقل الاخبار من هنا وهناك، وكانت هنا دار مسكن آل النفيسي الذين وصلوا مع الامام عبد الرحمن ومن ثم استقروا في الكويت وكان من بينهم من اصبح ممثلا للملك عبد العزيز في الكويت وكان يسهل مهمة الكويتيين في اتصالاتهم ومصالحهم مع المملكة العربية السعودية.

كان الملك عبد العزيز بن آل سعود كل جل تفكيره يخطط كيف يسترد الرياض وكان وهو صغير يسأل ايهم احسن الكويت أم البحرين فيجيب فوراً الرياض، وكان في اثناء تنقله مع والده للذهاب الى قصر الشيخ مبارك الصباح في السرة فتجده يلتفت الى ناحية القبلة، حيث هناك نجد هذا التصميم هو الذي جعله يسترجع الرياض ثم نجد والمملكة بعزم وتصميم، وهذا ما كتبه الله لتنعم الجزيرة العربية اليوم بالهدوء والطمأنينة بدلا من المشاحنات والبغضاء.

اخيراً هذه ملامح اولية عن اقامة الامام عبد الرحمن وابنه الملك عبد العزيز في الكويت في نهاية القرن التاسع عشر.

http://alqabas.com.kw/Article.aspx?id=380712&date=13022009