نظام الوزارات في السعودية 1951 – 1962

هناك طريقتان راسختان لرواية نشأة الممالك النفطية الحديثة في الخليج. الأولى، ذات الطابع العلمي‑الاجتماعي، تميل إلى الحديث عن قوى بنيوية مجهولة الهوية: “لعنة الموارد”، “الدولة الريعية”، وكيف شكّلت هذه القوى السياسة والأسواق بمنطقها الحتمي. أما الرواية الأخرى، ذات الطابع التاريخي الشعبي، فتقدّم لنا قصصاً رومانسية وشخصية عن شيوخ الصحراء، ونزواتهم، والثروات المفاجئة التي هبطت على أسرهم (إلى جانب حكايات عن فساد ضخم في بعض الروايات الأقل لطفاً).

في تحليله لتشكّل الإدارة السعودية، سينحاز هذا المقال — وربما بشكل مفاجئ — إلى جانب الشيوخ. وهذا رغم — أو بالأحرى بسبب — طموحه لأن يكون نظرياً: فمن خلال التأكيد على العناصر الإرادية في بناء الدولة السعودية، يحاول المقال إعادة إدخال الشخصية والسياسة إلى السرديات المفرطة في الاعتماد على البنى في تفسير نشأة دول الخليج والأنظمة الريعية عموماً.

سيركّز المقال تحديداً على الفترة التكوينية لبناء الدولة بين عامي 1951 و1962، وهي الفترة التي بلغ فيها التفاعل بين النمو الإداري والسياسة النخبوية، والمحسوبية، والانقسام الفئوي ذروته، وكانت فيها البنية المؤسسية أكثر سيولة. وللسرد ثلاثة أهداف رئيسية:

أولاً: تفسير كيف أن الصراعات المبكرة والاتفاقات بين كبار الشخصيات السياسية “تصلّبت” لاحقاً في تشكيلات مؤسسية ما زالت ترسم ملامح المشهد السياسي السعودي حتى اليوم. فقد منح نمو الدخل النفطي السريع النخبة السياسية السعودية قدراً كبيراً من الحرية في تصميم شكل الدولة المتوسعة، وكانت المؤسسات أدوات مرنة بشكل غير معتاد في لعبة القوة.

ثانياً: يهدف المقال إلى تفسير كيف تطورت الإدارة السعودية مبكراً نحو درجة من “التجزئة”، أي ميل المؤسسات المختلفة لأن تصبح “دولاً داخل الدولة” — وهي سمة مرتبطة بشدة بالشخصنة المبكرة للتصميم المؤسسي. وقد سمحت هذه التجزئة بظهور جزر بيروقراطية شديدة الكفاءة، لكنها أدت أيضاً إلى إخفاقات في التنسيق وبناء إقطاعيات بيروقراطية نيوباتريمونيالية متوازية — وهي سمة لا تزال واضحة في المملكة اليوم. وغالباً ما أدّى ازدياد البيروقراطية والتنظيم إلى ترسيخ هذه الانقسامات.

ثالثاً: يشرح المقال كيف أن الحراك الاجتماعي الهائل الذي أتاحته الدولة المتوسعة وشبكاتها الاجتماعية خلق لاعبين جدداً في النخبة الاقتصادية والسياسية. هذا القدر من السيولة يناقض بشدة النظام السعودي الناضج والجامد اليوم، حيث تم “توزيع الحصص” في الأعمال والبيروقراطية. لقد تشكّلت معظم النخبة السعودية ومؤسساتها خلال اثني عشر عاماً مذهلة في خمسينيات وستينيات القرن العشرين.

من الناحية النظرية، يهدف المقال إلى تعقيد عدد من افتراضات نقاش “الدولة الريعية” من خلال النظر عن قرب في التاريخ الفعلي لتطور البيروقراطية السعودية — المثال النموذجي في الأدبيات. ويبيّن أن استقلالية الدولة الريعية ليست ثابتة عبر الزمن، بل تتقلص مع توسع البيروقراطية. كما يوضح أن الدخل الخارجي للدولة لا يؤدي بالضرورة إلى مؤسسات غير فعّالة، بل يفتح مجالاً واسعاً للتصميم المؤسسي الذي قد يكون بالغ الكفاءة في بعض المجالات ونيوباتريمونيالياً في مجالات أخرى.

ينقسم المقال إلى نصفين: الأول يصف الفوضى المؤسسية المبكرة التي رافقت نمو الدخل النفطي وتوسع دخول أمراء آل سعود إلى أجهزة الدولة بعد 1951. أما النصف الثاني فيروي كيف نشأ توزيع أكثر ديمومة للسلطة والموارد المؤسسية من الصراع الجوهري بين الملك سعود وولي العهد فيصل. ويتبع ذلك قسم موجز يشرح كيف أن الترتيب الذي ظهر بحلول 1962 نما وترسخ لاحقاً، مع انتقال جهاز الدولة السعودي من السيولة الشديدة إلى البيروقراطية ثم إلى الجمود — مما خلد نتائج الصراعات المبكرة.

يعتمد هذا السرد بشكل شبه كامل على مصادر أولية، كثير منها غير مستغل سابقاً. فقد استخدمت وثائق دبلوماسية أمريكية وبريطانية حتى عام 1975، وسجلات بعثة مؤسسة فورد في الستينيات والسبعينيات حول الإصلاح الإداري والمحفوظة في معهد الإدارة العامة بالرياض، وأرشيف فيلبي في كلية سانت أنتوني بأكسفورد. كما أجريت مقابلات مع دبلوماسيين مخضرمين ومستشارين أجانب وبيروقراطيين سعوديين سابقين في لندن والرياض. وأخيراً، اعتمدت على عدد كبير من رسائل الدكتوراه التي كتبها سعوديون في الغرب حول قضايا التطور الإداري السعودي، إضافة إلى دراسات قطرية معاصرة وتقارير في مجلات تجارية من خمسينيات وستينيات القرن الماضي.

الأدبيات

رغم كثرة ما كُتب عن تأثير الولايات المتحدة على تشكيل السعودية الحديثة، فإن القليل من الأبحاث تناول السياسة الداخلية لتشكيل الدولة السعودية الحديثة.

يبقى كتاب سارة يزرعيلي “إعادة صنع السعودية” العمل الوحيد الذي يركّز أساساً على سياسة النخبة السعودية في الخمسينيات وبداية الستينيات، وهو ما آمل أن أستكمله من منظور مؤسسي: إذ تركز يزرعيلي على الصراع بين فيصل وسعود وأتباعهما من الأمراء، وتهتم أقل بتشكيل البيروقراطية وتركيبتها. لذلك لا تقع سمة الإقطاع المؤسسي والتجزئة الإدارية وتفاعلها مع السياسة الشخصية في صلب تحليلها، مما يؤدي إلى مبالغة في إبراز الجوانب “الحديثة” للنمو المؤسسي في عهد فيصل.

أما كتاب كيرين عزيز تشودري “ثمن الثروة”، فيتحدث حصرياً تقريباً عن القوى الاقتصادية البنيوية والمؤسسات، مع غياب شبه كامل للفاعلين الأفراد. وهذا يعني أن كثيراً من تفاصيل بناء المؤسسات التي أركز عليها تبقى بلا تفسير، كما أن عقلانية وقدرة الإدارة السعودية المبكرة مبالغ فيهما. ادعائي هو أن التركيز على تفاعل السياسة الشخصية والتشكيل المؤسسي يقدم المنظور الأكثر ملاءمة لفهم السنوات التكوينية للدولة السعودية الحديثة.

حال الدولة في أوائل ومنتصف الخمسينيات

“إن أولادي وأموالي أعدائي” — (ابن سعود قبيل وفاته)

الحكم الأبوي في عهد عبدالعزيز

البيروقراطية الحديثة ظاهرة حديثة نسبياً في السعودية. فقد ظهرت أول عناصرها في أوائل الخمسينيات خلال السنوات الأخيرة من حكم الملك عبدالعزيز، عندما بدأ الدخل النفطي بالارتفاع. في السنوات العجاف قبل ذلك، لم تُحكم المملكة عبر جهاز إداري متمايز، بل من خلال حكام مناطق موثوقين يعيّنهم الملك، مدعومين بوسطاء محليين آخرين من وجهاء أو شيوخ قبائل.

على المستوى الوطني، كان النظام يتمحور بالكامل حول عبدالعزيز، الذي كان الملك والمشرّع الأعلى وصاحب الحق في مراجعة جميع الأحكام القضائية. وكانت معظم الدوائر في ديوان عبدالعزيز منشغلة بشؤون الديوان نفسه، لا بإدارة أوسع أو تقديم خدمات عامة. وفي الحجاز، الذي انتُزع من الهاشميين في منتصف عشرينيات القرن العشرين، ورث عبدالعزيز بنية بيروقراطية أكثر تطوراً نسبياً، تضم مكاتب خاصة للصحة والتعليم مثلاً.

ومع ذلك، لم يكن معظم السعوديين على اتصال بأي إدارة رسمية، إذ إن الدولة — باستثناء الأمن الأساسي — لم تكن تقدم خدمات تُذكر لمواطنيها. ولم تكن هناك سوى هيئات وطنية رسمية قليلة خلال معظم عهد عبدالعزيز: فقد أُنشئت وزارة الخارجية عام 1930 تحت إدارة فيصل، وتلتها وزارتا المالية والدفاع في عامي 1937 و1944. ولم تكن هذه الوكالات مرتبطة بآليات رسمية للميزانية أو الحوكمة.

 

التأسيس المؤسسي في الخمسينيات

بعد الحرب العالمية الثانية، بدأ الدخل النفطي ينمو بسرعة — من 10.4 ملايين دولار عام 1946 إلى 56.7 مليون دولار عام 1950. وبينما بدأ حكم عبدالعزيز الشخصي يضعف تدريجياً، ظهرت حاجة متزايدة لإدارة المبالغ الضخمة التي بدأت تتدفق إلى المملكة، وهو ما أدركه على الأقل ابنه فيصل (ثاني أكبر أبنائه الباقين على قيد الحياة) والدبلوماسيون ورجال النفط الأمريكيون آنذاك. وفي غياب أي نظام للميزانية أو التنمية، أُهدرت أجزاء كبيرة من الدخل النفطي المتزايد عبر الديوان وزبائنه ومرافقيهم. وكان هناك سبب آخر لبناء المؤسسات: فمع مغادرة الأب البطريرك بلا منازع للمشهد، بدأت جيل جديد من الأمراء يتنافسون على النفوذ والهيبة، مما منحهم مصلحة مباشرة في إنشاء مناصب ووزارات جديدة.

في عام 1951، وضع عبدالعزيز أساساً لتمييز وظيفي بدائي بين المؤسسات البيروقراطية المحلية، ففصل وزارة الداخلية عن الشؤون المالية والإدارية لوزارة المالية. وقد أدى هذا التمييز إلى انتشار أفراد الأسرة الحاكمة في المناصب الحكومية: فقد أُسندت وزارة الداخلية إلى عبدالله بن فيصل. وفي ديسمبر 1953، بعد وفاة عبدالعزيز بقليل، أُنشئت رسمياً وزارتا المعارف والزراعة كفروع من وزارتي الداخلية والمالية على التوالي. وتولى الأمير الطموح سلطان وزارة الزراعة، بينما تولى شقيقه الشقيق فهد وزارة المعارف.

لم تكن هناك آليات فعّالة لتنسيق أعمال هذه الوزارات: فإدخال مجلس الوزراء رسمياً عام 1953، قبل وفاة عبدالعزيز بقليل، لم يغيّر كثيراً من ممارسات الحكم الفعلية. فقد حكم الملك سعود — أكبر أبناء عبدالعزيز الباقين — وفق النمط الأبوي لوالده، معتمداً على الديوان، وقام بجولات واسعة في البلاد يوزع خلالها العطايا الملكية. وظل اتخاذ القرار في القضايا الوطنية الكبرى غير رسمي إلى حد كبير، ورغم تحسن الخدمات في بعض القطاعات، فقد شاب الحكم ما وصفه البعض بـ “غيرة الأمراء”.

 

التصميم المؤسسي: «الشكل يتبع العائلة»

كانت السياسة الأبوية داخل الأسرة هي العامل الحاسم في تحديد من يتولى أي منصب حكومي — كما هو الحال في أنظمة سياسية أخرى قائمة على العشيرة وضعيفة البيروقراطية. لكن هذه السياسة لم تحدد فقط شاغلي المناصب، بل أثّرت أيضاً في التصميم المؤسسي نفسه للدولة المتنامية خلال السنوات الأخيرة من حكم عبدالعزيز وفي عهد خلفه الأول.

كانت المؤسسات في الخمسينيات قابلة للتشكيل، وغالباً ما تُعدّل وفقاً لسلطة ومكانة الأشخاص أو الفصائل التي تقودها — أو تُنشأ من الصفر لتعزيز أو إضعاف لاعبين محددين. ورغم وجود اتجاه عام نحو التخصص الوظيفي، فإن اعتبارات موازنة القوى كانت مهمة بالقدر نفسه في ظهور التصاميم البيروقراطية.

ففي صيف 1951، عُيّن عبدالله بن فيصل وزيراً للصحة والداخلية معاً، reportedly بهدف جعله مساوياً في المكانة لوزير الدفاع الأمير مشعل. وعلى العكس، يبدو أن الدافع وراء خطة عام 1952 لإنشاء وزارة للقوات الجوية — برئاسة مشعل ونائبه شقيقه متعب — كان منع قضايا الطيران من الوقوع تحت سلطة وزارة المواصلات الجديدة برئاسة الأمير طلال. وفي عام 1953، بدا أن السعودية ستضطر إلى فصل الخطوط الجوية الحكومية بسبب خلافات بين مشعل وطلال.

وعندما استقال طلال من وزارة المواصلات عام 1955، نُقلت حقيبة المواصلات إلى وزارة المالية (التي كان يديرها حينها محمد سرور، أحد كبار الإداريين من غير الأمراء). وأخبر طلال الدبلوماسيين الأمريكيين أن هذا كان حلاً لتجنب اختيار أحد الأمراء المتنافسين وإغضاب الآخرين.

ويبدو أن تفصيل المؤسسات وفقاً للاحتياجات والصراعات الشخصية تكرر أيضاً على مستوى أصغر بين كبار الإداريين من غير الأمراء: فمثلاً، مُنح نائب وزير المالية محمد سرور منصباً جديداً للإشراف على الحج والإذاعة معاً، لأن رئيسي هذين القسمين كانا متنافسين، وجعل سرور رئيساً اسمياً لكليهما منع تبعية أحدهما للآخر. وعندما عاد السفير السعودي في الولايات المتحدة أسعد الفقيه إلى المملكة عام 1955، أُنشئ له منصب جديد في وزارة الخارجية بناءً على اقتراحه هو: “مفتش السلكين الدبلوماسي والقنصلي”.

في عهد الملك سعود، أصبحت التعيينات العليا والتغييرات المؤسسية مرتبطة بشكل متزايد بصراعه مع ولي العهد فيصل. وقد تناولت مصادر أخرى تفاصيل هذا الصراع، لذا تكفي هنا أمثلة قليلة توضّح كيف أثّر على البنية المؤسسية للمملكة. فقد كانت المؤسسة الدفاعية ساحة معركة رئيسية، سواء من حيث التعيينات المتعاقبة أو من حيث الهندسة الإدارية.
فقد قام الملك سعود بفصل الحرس الملكي، بقيادة مساعد بن سعود، عن وزارة الدفاع بهدف إضعاف الأمير مشعل وتعزيز نفوذ أبنائه هو. وفي مايو 1955، أصدر سعود مرسوماً بتشكيل الحرس الوطني الحديث، وأسند قيادته إلى أحد أبنائه الآخرين، خالد بن سعود. وقد اعتُبر هذا أيضاً خطوة موجهة ضد مشعل، الذي كان قادراً في السابق على استغلال موارد الحرس الوطني، كونه مؤسسة ضعيفة نسبياً يرأسها أحد العامة.
وفي عام 1964، بعد الهزيمة النهائية لسعود أمام فيصل، أُلحق الحرس الملكي بوزارة الدفاع، مما يعني إنهاء وجوده كمؤسسة مستقلة. لقد كان تصميم المؤسسات تابعاً لمنطق الصراع على السلطة.