مقال لسمو الأميرة فهدة بنت سعود عام 2012

بصفتي ابنةً للملك سعود، فقد وجدت أن التغطية الإعلامية لعهد الملك سعود – على قلّتها – كانت ضعيفة ومضلِّلة. فالمستندات، والشائعات، والمعتقدات الراسخة التي استندت إلى وثائق غير صحيحة، ظلّت تتداول طوال العقود الخمسة الماضية، وذلك منذ عزل الملك سعود عن العرش على يد الملك فيصل عام 1964، وحتى وقت قريب خلال عهد الملك عبدالله، الذي أتاح فتح الملفات القديمة لبدء عهد جديد من كشف الحقيقة وإظهار تاريخ الملك سعود وإنجازاته أمام الرأي العام السعودي. لقد تم العبث بتاريخ الملك سعود، ونُسبت جميع إنجازاته إلى الملك فيصل. وقد توقّف هذا الظلم رسميًا، وتولّت دارة الملك عبدالعزيز (www.darah.org.sa) برئاسة صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبدالعزيز – أمير منطقة الرياض آنذاك وأحد كبار أفراد الأسرة – مهمة توثيق تاريخ المملكة، ولعبت دورًا كبيرًا في تنظيم ندوتين عن تاريخ الملك سعود والملك فيصل في الرياض خلال السنوات الماضية، مما أسهم في توضيح دور كل ملك في تطوير بلاده.

شارك الملك سعود في بناء وتماسك ما أصبح يُعرف لاحقًا بـ«المملكة العربية السعودية» منذ أن كان في الثالثة عشرة من عمره، إلى جانب والده الملك عبدالعزيز، المعروف ببصيرته وحكمته، والذي اتخذه ذراعًا يمنى له في الأزمات مرارًا وتكرارًا وبنجاح. ولو أنه رأى في سعود نقصًا في الكفاءة، لما عيّنه وليًا للعهد في سن مبكرة، ولما استمر في تفويضه المهام واحدة تلو الأخرى طوال فترة حكمه.

وعند توليه الحكم – دون أي معارضة – جعل الملك سعود رسالته القضاء على الفقر والمرض والأمية، وكان يفضّل دائمًا أن يقود بالقدوة. وقد وُضعت خلال عهده أسس الدولة الحديثة وهياكلها الإدارية والتنظيمية، ملتزمًا بالقيم التي غرسها فيه والده. ومن الطبيعي أن هذا التحوّل السريع من مجتمع قبلي إلى دولة نامية لم يكن ممكنًا دون مواجهة المخاطر ودفع ثمن أعلى بحكم الظروف. وقد سعى الملك سعود لتحقيق ذلك مستعينًا بنصائح خبراء دوليين، مع حرصه على الالتزام بوصايا والده ومحاولة الاقتداء به باعتباره القدوة المثلى للأسرة.

الإنجازات الكبرى لعهد الملك سعود (1953–1964) التي تم تجاهلها عمدًا:

1- التعليم:
أسّس بنفسه أول مدرستين للبنات في نجد عامي 1951 و1956، ثم أصدر مرسومًا ملكيًا عام 1960 بإنشاء «الرئاسة العامة لتعليم البنات» لأول مرة في تاريخ المملكة، وهو القرار الذي واجه بسببه معارضة شديدة. لكن في عهد الملك فيصل نُسب هذا الإنجاز إليه، وهو خطأ تاريخي آخر. كما أسّس الملك سعود أول جامعة في المملكة (جامعة الملك سعود)، إضافة إلى المدارس التي أنشأها في مختلف المناطق.

2- إلغاء الرق عام 1962:
وقد نُسب هذا القرار أيضًا إلى الملك فيصل، مما يثير التساؤل: لماذا نُسبت أهم إنجازات الملك سعود إلى غيره؟

3- البنية التحتية:
شهد عهده بناء البنية التحتية للدولة: الطرق في جميع أنحاء المملكة، المستشفيات، ونقل الوزارات من جدة إلى الرياض – وهو أول تخطيط عمراني حديث في المملكة.

4- إنشاء رابطة العالم الإسلامي:
كانت دعوته لعقد مؤتمر إسلامي عام 1955، وتأسيس رابطة العالم الإسلامي عام 1962.

5- الوزارات:
أسّس جميع الوزارات في المملكة باستثناء الخمس التي كانت موجودة في عهد والده. أراد معالجة القضايا الداخلية وتعزيز الإدارة والاقتصاد والمجتمع وبناء الدولة الحديثة بسرعة، وهو ما تطلّب جهدًا كبيرًا وميزانيات ضخمة.
بين 1954 و1958 بلغت تكلفة إنشاء الوزارات الجديدة في الرياض 20 مليون دولار، وهو ما أدى إلى الأزمة المالية آنذاك. ومع ذلك، لم تتأثر ميزانيات الصحة والتعليم، بل تضاعفت.
كما شُيّد 2000 ميل من الطرق السريعة، وأربعة موانئ رئيسية، وبلغت ميزانية الجيش 200 مليون ريال عام 1958.

انخفضت عائدات النفط بين 1956 و1958 من 34 مليون دولار إلى 29 مليونًا بسبب الحظر النفطي الذي فرضه الملك سعود على بريطانيا وفرنسا لمشاركتهما إسرائيل في حرب 1956، مما رفع الدين العام إلى 200 مليون دولار.
استُدعي خبراء صندوق النقد الدولي في نوفمبر 1957، ونجحت توصياتهم في إعادة تنظيم الموارد المالية، فارتفع الاحتياطي الحكومي من 272 مليون ريال عام 1960 إلى 844 مليونًا.

الخلاصة:

الملك سعود هو المهندس الحقيقي للدولة السعودية الحديثة بعد توحيدها على يد والده الملك عبدالعزيز. إنجازاته الداخلية والخارجية بدأت تظهر اليوم بعد أن حُجبت خمسين عامًا.
التاريخ لا يموت، بل ينام فقط.