خطاب الملك سعود في المؤتمر الاقتصادي بجدة

التاريخ: ١٩٥٥

(أم القرى العدد 1669 في 9 ذو القعدة 1376 الموافق 7 يونيه 1957)
ألقى جلالته الكلمة السامية التالية:
          قبل أن أبدأ حديثي أود أن أرحب بكم، وأعرب عن سروري بالاجتماع برجال المال والتجارة؛ لنتحدث معكم فيما فيه صالح البلاد، وما فيه انتعاش التجارة، وتسهيل المعيشة لطبقات الشعب، وقبل كل شيء سأخبركم أنني منزعج جداً لما وصلت إليه الحالة.
أولاً: من جهة أثرها على الضعيف ومن غلاء المعيشة على طبقات الشعب، الذي أرعاه كما نفسي وأولادي،
ثانياً: تأخر الاستيراد نظراً لقلة العملة الصعبة، وعدم إمكان الحصول عليها لأسباب كثيرة. السبب الأول تعرفون أنه لما حدث الاعتداء على مصر الشقيقة قطعنا البترول وتدفقه إلى الأسواق التجارية من البحرين ومن المواني السعودية، الأمر الذي كلف خزينة الدولة شيئاً لا يستهان به. ثانياً إقفال القناة نتيجة لآثار العدوان الأمر الذي جعل الاستيراد صعباً من الأقطار البعيدة.
ثالثاً: إننا قمنا بمساعدة إخواننا العرب بقروض، ولو إن هذا أدى إلى ما أدى إليه من هذه الحالة، ولكننا قمنا بواجبنا نحو أشقائنا ونحو بلاد شقيقة.
          وبمناسبة اجتماعنا هذا أود أن أصرح لكم إني قررت أن أضع حداً لهذه الحالة، وسأباشر الأمر بنفسي، وذلك على الأسس التالية:
          سير الأعمال التجارية على أسس متينة ثابتة لا تقبل التلاعب ولا التأخر؛ لأن التأخر يضر بالمصلحة العامة، ويهمني كثيراً مستوى المعيشة في البلاد، والترفيه عن الفقير وعن الذي لا يجد إلاَّ أسواقه المحلية، فإذا كانت السلع في الأسواق المحلية عالية الثمن فلا شك أنه سيصعب على الضعيف أن يكتسب معيشته ومعيشة أولاده، وهذا شيء يهمني أكثر من غيره؛ لأن المسلمين الذين تحت ولايتي أدين الله في تفقد أحوالهم، وفي الترفيه عنهم، وفي تسهيل المعيشة لهم، وأعتقد أن من اليسير تحقيق هذا ولله الحمد، فالحكومة غنية والحمد لله، والتجار كذلك لا يدخرون جهداً في استيراد الأشياء الضرورية التي ينتفع منها الفقير قبل الغني، وبهذه المناسبة واجتماعكم عندي يجب علينا أن نضع حداً لهذه الأمور، ونسهل طلباتكم من الخارج، ونجعل الأسواق ملآنة بالأرزاق والكساء، وكافة الأشياء الضرورية التي يتمتع بها الفقير، ويكون قادراً على معيشة أولاده، ومطمئنا إلى حكومته، وأن أصحاب رؤوس الأموال وفروا عليه المعيشة، وبهذه المناسبة فإني على استعداد لسماع أي شكوى، وأي اعتراض، أو أي عمل يخل بالتجارة، وقد شكلت لجنة برئاسة العم مساعد ووزير المالية ومستشاري، ومن أهل رؤوس الأموال، واثنين من مجلس الشورى؛ لكي نضع حداً لهذه الحالة، ونعيد الأمور إلى نصابها الطبيعي، هذا من جهة الاستيراد والعملة الصعبة.
          الأمر الثاني ـ أهيب بكم أنتم يا أخوتنا أصحاب رؤوس الأموال، فإنكم الآن والحمد لله في مركز يؤهلكم أن تستغلوا ثروة بلادكم التي تمتع بها الأجنبي أكثر مما تمتعتم بها أنتم، وهذا أعتقد أنه ذنبكم أنتم وليس ذنبنا نحن؛ لأننا فتحنا الباب على مصراعيه، وإني مكرس حياتي لعز العرب جميعاً، والنهوض بهذه البلاد على الأخص من حيث استثمار ثروتها الطبيعية، وبالمساعدات في تذليل كل صعب، فأهيب بكم أن تتيقظوا من هذه الغفلة، وتستعملوا رؤوس أموالكم، ولو كان معها رؤوس أموال أجنبية في استثمار بلادكم.
          بلادكم فيها خيرات، بلادكم فيها معادن، بلادكم فيها أمن، بلادكم فيها طمأنينة، بلادكم مرموقة من جميع النواحي السياسية والاقتصادية، وأينما نظرتم يميناً أو شمالاً فستجدون أن كل بلد فيه شيء من الارتباك، وأشياء أخرى لا تخفى عليكم، والبلاد هذه والحمد لله آمنة مطمئنة، أبوابي مفتوحة للفقير قبل الغني الإنصاف قائم، الشريعة قائمة، العدل قائم، والطمأنينة والأمن كذلك، وذلك ببركة الله، ثم ببركة تمسكنا بديننا، وبمبادئنا القويمة من الصدق والإخلاص والنية الحسنة، كذلك يوجد أفراد من الناس سواء من الحكومة، أو من غير رجال الحكومة، يخرجون أموالهم إلى الخارج، وهذا شيء منكر لا يمكنني أن أجيزه أو أرضاه، بل يجب أن تستثمر الأموال في نفس البلاد، إلاَّ إذا كان هؤلاء ليست لديهم ثقة بحكومتهم، ولا ببلادهم ولا بمستقبلهم، فهذا أمر آخر، أما أنا فإنني مستعد وفاتح أبوابي، وفاتح أذني وقلبي لكل ما فيه خير هذه البلاد، وإسعاد هذه البلاد، وتقدم هذه البلاد غير مبال للصعوبات التي ألقاها، ولا بما قد أتعرض له في جسمي أو في صحتي، ولن أدع شيئاً يحول بيني وبين هذه المهمات، فإني أهيب بكم أن تتيقظوا، أو تستعملوا أموالكم في مصالح بلادكم في الصناعات، في المعامل في المنشآت، وفي كل ما يعود بالخير لبلادكم، ولكم أنتم، وازدهار بلادكم فأنا أكرر أنني على أتم استعداد لمساعدتكم بالنفوذ، وبالتسهيلات، وبالمساعدات المادية والمعنوية والأدبية.
          هذا كل ما أحببت أن أسمعكم إياه، ونحن الآن نشكل هذه اللجنة حتى تجتمعوا معها، وتنظر في شكواكم، ونضع حداً لهذه الأمور، كذلك نرى من المصلحة أن ننظر في عملتنا المحلية؛ لأن عملة البلاد السعودية ليست مقبولة في الوقت الحاضر في جميع البلدان الخارجية. ومن المصلحة أن تكون عملة البلاد مقبولة في كل بلاد، كما أن عملة البلاد الأخرى مقبولة في بلادنا. فهذا شيء اعتقد أنه طبيعي. وأعتقد أن بعض الارتباكات ما جاءت إلاَّ من هذه الناحية، فعلينا جميعاً حكومة وأنتم يا إخواننا الحاضرين أن نسعى إلى ما فيه خير هذا الشعب، ورفاهية هذا الشعب، ورفع مستوى معيشته، حتى تبرأ ذمتنا من جانبه، ونكون قمنا بواجبنا الذي أمرنا به الله سبحانه وتعالى.
          هذا كل ما عندي فإن كانت لدى أحدكم ملاحظة مستعجلة أو شيء من الأمور فأنا مستعد لسماعها، وإن هذه اللجنة برئاسة العم مساعد ستجتمع معكم، ونذلل إن شاء الله كل صعب، ولا يمكن أن تنصرفوا حتى تكون كل الأمور قد سارت على الوجه المطلوب، ولما فيه خير البلاد، ولما فيه خير لتجارتكم، وأرجو الله أن يوفقنا وإياكم للخير، وينصر دينه، ويعلي كلمته، ويجعلنا رحمة للعباد والبلاد.