السعودية شهدت أول انطلاقة للبث التلفزيوني في الشرق الأوسط أنشأته «أرامكو» عام 1955 وكان باللغة الإنجليزية في منطقة الظهران

التاريخ: الجمعة - ١٣ شهر رمضان ١٤٣٥ هـ - ١١ يوليو ٢٠١٤ مـ

المؤلف:بدر الخريف




تلفزيون جدة ومبنى فرع وزارة الإعلام - تلفزيون «أرامكو» توقف تماما نهاية عام 1998

الرياض: بدر الخريف

سجلت السعودية اسمها كواحدة من أولى دول الشرق الأوسط التي شهدت ولادة التلفزيون، من خلال محطة تلفزيون البعثة
الأميركية في الظهران، التي أنشئت عام 1955، وكانت تبث باللغة الإنجليزية في نطاق منطقة الظهران. ثم تأسس بعد سنتين من ذلك التاريخ «تلفزيون أرامكو»، الذي امتد البث فيه من الظهران إلى الهفوف وصولا لبعض أنحاء الخليج، وكانت المحطة تبث باللغتين العربية والإنجليزية. وأتت المحطة بعد نحو ثلاثة أشهر من إنشاء «تلفزيون بغداد»، وبذلك تكون محطة الظهران التابعة للبعثة الأميركية أول محطة في الشرق الأوسط، في حين تكون أول محطة باللغة العربية في المنطقة هي «تلفزيون بغداد». ثم أتت محطة «أرامكو» التي تحولت بعد افتتاح التلفزيون الحكومي إلى محطة تبث برامجها بالإنجليزية، ثم توقفت تماما نهاية عام 1998.
ومع انقضاء 50 عاما على تأسيس التلفزيون الرسمي في السعودية، قدم الدكتور عبد الرحمن الشبيلي توثيقا لقصة إنشاء التلفزيون من خلال كتاب أنجز مؤخرا تضمن حلقات توثيقية عرضتها قناة «الثقافية»، وأوضح فيه أن التلفزيون لم يكن غريبا على المشاهد السعودي، وبخاصة ساكني المنطقتين الشرقية والرياض، فمنذ أن أنشئت محطة «أرامكو» كان هناك مواطنون يتجهون للمنطقة الشرقية لمشاهدة التلفزيون.
وجرت محاولات عدة بعد إنشاء «تلفزيون أرامكو» للبدء بالتلفزيون الرسمي، منها على سبيل المثال ما تقدمت به «أرامكو» نفسها لإنشاء التلفزيون السعودي، واقتراح آخر لاستخدام التلفزيون لخدمة منطقة جدة التعليمية، لكن تلك الأفكار التي تقدمت بها «أرامكو» أو غيرها لم تؤد إلى نتيجة، ثم جاءت أول محاولة جادة مطلع عام 1963 عندما تأسست وزارة الإعلام وعين الشيخ جميل الحجيلان وزيرا لها، وكانت هناك ثلاث أولويات في ذهنه: إنشاء التلفزيون السعودي، وإعادة تنظيم وضع الصحافة التي تحولت من صحافة الأفراد إلى صحافة المؤسسات الأهلية، وإنشاء إذاعة العاصمة الرياض. كانت تلك الأمور الثلاثة أول الأهداف الرئيسة أمام وزارة الإعلام في ذلك الوقت.
ويبدو أن خيار تكليف «أرامكو» بإنشاء التلفزيون لم يكن واردا في الذهن، فاتجهت وزارة الإعلام إلى مخاطبة جهة أوسع خبرة، كالولايات المتحدة الأميركية، وجرى فعلا الاتصال بالسفارة الأميركية في جدة (أيام السفير باركر هارت) بواسطة وكيل وزارة الخارجية آنذاك عمر السقاف، وجرت مشاورات انتهت إلى مذكرة للتعاون بين الحكومتين الأميركية والسعودية لتأسيس التلفزيون.
وعلى العكس مما حصل مع الإذاعة في عهد الملك عبد العزيز، لم يصدر من أجل تأسيس التلفزيون ما يسمى في العرف القانوني أو الإداري أداة نظامية في شكل أمر ملكي أو مرسوم ملكي، وكان ما صدر للتعبير عن نية إنشاء التلفزيون تلميحا ضمنيا، تمثل في منهج الإصلاح الداخلي الذي تبنّاه الأمير فيصل عندما شكل الحكومة عام 1962 في عهد أخيه الملك سعود، فقد لمح في إحدى فقراته إلى الترفيه البريء، ففهمت هذه الفقرة على أنها تعني إدخال التلفزيون، ثم صدر قرار من مجلس الوزراء بإقرار مذكرة التفاهم بين الحكومتين السعودية والأميركية، وباعتماد مبلغ للدراسات، وذلك على العكس من الإذاعة السعودية التي بدأت عام 1949 في عهد الملك عبد العزيز، ففي ذلك الوقت صدر مرسوم ملكي بإنشاء الإذاعة في نص مختصر.
ويشدد الشبيلي بالقول «كان منهج الإصلاح الداخلي تعبيرا ضمنيا عن إنشاء التلفزيون كما فهم في ذلك الوقت، لكن قرار مجلس الوزراء الذي صدر لاحقا بإقرار الاتفاق وباعتماد 10 ملايين ريال للبدء في التخطيط لإدخال التلفزيون، كان بالطبع أبرز وثيقة رسمية دلت صراحة على توجه الحكومة نحو إنشاء التلفزيون». وعودة إلى مسار البدء والتخطيط والتنفيذ، فقد أشار الشبيلي إلى أن الحكومة الأميركية أسندت الأمر إلى سلاح المهندسين الأميركي، الذي لا ينبغي أن ينظر إليه من زاويته العسكرية، فهو فقط ذراع للحكومة الأميركية معنيّة بتنفيذ المشروعات المدنية التي ترعاها. ولفت إلى أن من ملامح فترة الانتظار الطويل لبدء البث التلفزيوني بعد تجهيزه، والتي دامت بضعة أشهر، إلى أن جرى التوافق على انطلاقة البث، أن الأجهزة كانت تشاهد في «الفاترينات» وهي تعرض نماذج الصيانة وضبط الصورة التي كانت المحطة تبثها، وكانت الأجهزة متوافرة في المعارض بمختلف الأنواع والماركات، وكلها بالطبع بالأبيض والأسود.
وزاد الشبيلي «كانت لدى الناس قدرة على الشراء رغم ارتفاع أسعارها، وكان التلفزيون يزيّن مجالسهم بخلاف الوقت الحاضر، فالتلفزيون في بدايته كما هو معروف ومتوقع كان يحتل الصدارة في غرف الضيافة في المنزل، وفي المجالس الرئيسة، وكان رمزا للوجاهة الاجتماعية».
وحول أبرز ما تقدمه المحطة، أوضح الشبيلي «كانت برامج مستوردة ومدبلجة ومترجمة يشتريها التلفزيون جاهزة، هذا إضافة إلى بعض الأغاني العربية، علما بأن التلفزيون السعودي اشترك في وكالة ألمانية اسمها (ترانستل)، وكانت تسوق عالميا بعدة لغات رئيسة برامج التلفزيون الألماني، ومنها برنامج الألعاب والمسابقات الرياضية الشهير (تيليماتش)، التي كان التلفزيون السعودي يعرضها مترجمة للعربية، وكان برنامج (من كل بحر قطرة) يستفيد مما يرد إلى هذه الوكالة الألمانية».
واعتبر أن ملامح فترة بداية ظهور التلفزيون أوجدت ضرورة ملحة للاعتماد على الإنتاج المحلي وسيلة لتلبية الاحتياجات البرامجية، فالتلفزيون لا يستطيع أن يأتي بنسبة كافية من البرامج المستوردة المناسبة للمجتمع، والتي لا تلبي الاحتياج؛ نظرا لتعدد المحظورات الاجتماعية. ففي الفترة الأولى من قيام التلفزيون لم تكن صورة المرأة تعرض ولا تظهر، سواء في برامج منتجة محليا، أو في برامج مسجلة خارجيا، وما إن تعدى التلفزيون الأشهر الأولى من طفولته حتى انطلق انطلاقة تصاعدية رأسية أفقية، ولم يمضِ عامان حتى بلغ البث مدة تزيد على 4 ساعات يوميا، معظمها كان من الإنتاج المحلي ومن البرامج الترفيهية والدراما والبرامج الوثائقية والمنوعة، وبعد عامين من عمر التلفزيون بدأ بعرض المهرجانات الغنائية اللبنانية والحفلات الكويتية والبرامج المدبلجة.