تحرير الرّق في عهد الملك سعود

التاريخ: الاثنين الموافق ٢٣ سبتمبر ٢٠٠٢ العدد ١٠٦٩٢

المؤلف:عبد العزيز عبد الرحمن السنيد

اليوم الوطني.. تاريخ وذكريات

 
 

عبد العزيز عبد الرحمن السنيد

 
تحدث الشيخ حمد الجاسر- علامة الجزيرة العربية- رحمه الله- في مجلته (العرب) بالعدد الصادر سنة 1412هـ عن شهري محرم وصفر وهو كالعادة عدد مزدوج. بمقالة عنوانها: "من تاريخ الدولة السعودية الأولى في المؤلفات اليمنية"رأيت احتفالاً باليوم الوطني لبلادنا لهذا العام 23/9/2002م أن اختار منه الصفحة الأولى لابدا به مقالي بهذه المناسبة التاريخية المجيدة لتوحيد المملكة العربية السعودية يقول الشيخ حمد:- " ما ألفه مؤرخو الدولة السعودية من المؤلفات المتعلقة بتاريخها، منذ نشأتها في منتصف القرن الثاني عشر الهجري، إلي عهد الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل- رحمه الله- في العشر الثانية من القرن الرابع عشر، يعد قليلاً جداً،جله من آثار ثلاثة من مؤرخين،حسين بن أبي بكر بن غنام (1152/1225) وعثمان بن عبد الله بن بشر (1210/1290هـ ) وإبراهيم بن صالح بن عيسى (1270/ 1343هـ) أو مما ورد مجموعاً في مؤلفاتهم، من نتف موجزة مفرقة، كتبها بعض طلبة العلم،ممن تقدم زمانهم أو عاصرهم، ومن هنا فإن المتعطش للتعمق في دراسة تاريخ تلك الدولة الكريمة في أدوارها الأولى لا يجد في مؤلفات أولئك المؤرخين ما يروي غلته من حيث الشمول، ومن حيث الاطمئنان لتعليل بعض الحوادث التاريخية التي لا يجد أمامها وحيالها سوى إشارات في غاية الإيجاز.ولهذا فهو في أشد الحاجة إلى البحث في مصادر أخرى، تفصل له ما أجمل، وتكمل ما لم يذكر،وقد كان لانتشار نفوذ الحكم السعودي في جميع أنحاء الجزيرة، ولصلته بما يجاورها من أقطار ما حفز مؤرخي تلك الجهات التي لم يشملها ذلك الحكم إلي تناول أخباره وحوادثه بالتسجيل.ولكن بنظرة قد تغاير نظرة مؤرخيه مما كان له الأثر- بما شابه من تحيز وهوى. في عدم الاعتماد عليه من قبل مؤرخي الدولة السعودية نفسها، مع ما فيه مما يجلو غوامض التاريخ السعودي، ويفصل كثيراً مما أجمل منه. ويقول شيخنا: ودراسة التاريخ تتطلب اتساع أفق في التفكير، ورحابة صدر لتقبل ما يعرض من آراء مخالفة، تحرياً للحقيقة، أيا كان مصدرها، وقبولاً للحق ممن أتى به أيا كان، إذ هو ضالة المؤمن، وما المؤرخ سوى قاض يستمع الأقوال فيتوخى العدل ويسعى ما استطاع لاستيضاح جميع الوسائل في سبيل ذلك، مبتعداً عن تأثير العواطف والرغبات- أيا كان مبعثها- والمؤرخ- أي مؤرخ- عرضة للخطأ، فهو إنسان جبلت طبيعته على كثير من صفات النقص- إلا ما عصم الله من أصفيائه بغية الوصول إلى الحقيقة وبين يدي كتاب:- (صور من حياة عبد العزيز)- يرويها- طلال بن عبد العزيز وأعدها- كمال الكيلاني- الطبعة الأولى صدرت عام 1402هـ /1982م. يقول:- كمال الكيلاني- في مقدمة الكتاب: وجمعتني المصادفة الجميلة بالأمير طلال بن عبد العزيز.. الذي عاش مع أبيه طويلاً وقرأ معظم ما كتب عنه، وعدل كثيراً مما أورده المؤرخون، وسمع من أبيه مباشرة أشياء كثيرة أغفلها التاريخ.. جاءت هذه السيرة، من حديث الأمير طلال، مزيجاً مما قرأ في التاريخ،وما سمع من روايات وأخبار، ومما عدل فيها، من معلوماته الخاصة، التي أنفرد بها من بين الرواة والمؤرخين.. وما سمع، وشاهد،من أبيه شخصياً.. وما أضفى على الجميع من ملاحظات وأحاسيس وتحليل لكل ما روى.. وربط للأحداث بعضها ببعض. ويسرني أن أتناول حديث الأمير طلال في كتابه (صور من حياة عبد العزيز) عن جيش والده ومعداته وأسلحته ورجاله الذين رافقوه إلي الرياض- عاصمة الآباء والأجداد لتحريرها من آل الرشيد يقول سموه:- كان عبد العزيز وجيشه لا يملكون سوى بضعة من الجمال، قدمها له الشيخ مبارك الصباح، ومائتي ريال لا غير من آل الصباح وأهل الكويت- وخليط من الأسلحة البدائية كالخناجر وبعض البنادق البدائية و(مصامع) كانت تحشى بالبارود (صكم) وهو نوع من الرصاص المذاب. ويتحدث عن ذكريات عمه عبد العزيز بن مساعد بن جلوي- الذي كان من ضمن الأربعين.. الذين دخلوا الرياض مع والدي.. قال عمي عن سلاحه الذي كان يحمله في الهجوم على قصر بن عجلان.. أنا كنت أحمل خنجرا لعدم توافر الأسلحة والعتاد أثناء الهجوم, أما عبد الله النفيسة فقد باع دكانه وأعطى ثمنه إلى عبد العزيز لمساعدته.. وهو من أصل نجدي- عند خروجه من الكويت إلى الرياض التي استطاع أن يستعيدها.. ويعيد إليها مجد آبائه وأجداده. هكذا بدأ مسيرة التحرير مع رجاله المؤمنين بحق العودة إلى الوطن وطرد المحتلين وكيف حرر عبد العزيز بلاده بفتح الرياض وقتل ابن عجلان عامل ابن الرشيد، وأعلن المنادي.. بأن الملك لله ثم لعبد العزيز بن عبد الرحمن.. كيف تم لهذا الشاب وهو في العقد الثاني من سني عمره..أن يحرر بلاده بهذا الجيش المتواضع بعدده وعدته. لقد حررها بالإيمان وبقوة الإرادة وبحقه الطبيعي المشروع في استرداد ملك الآباء والأجداد بالعزم والتصميم وبإدراكه وبفهم ومن معه من المجاهدين لأبعاد مقولة:- أطلب الموت توهب لك الحياة..قال الملك علي بن الحسين أثر خروجه من الحجاز: " ان عبد العزيز هو خير من يستطيع أن يحكم الجزيرة العربية" وقال جميل مردم: " الملك ابن سعود من الرجال الذين لا يجود الزمن بمثلهم بسهولة وقد تنقضي خمسمائة عام كاملة دون أن يأتي مثله"هذا هو الملك الفذ المؤسس- عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود- الذي أطلقوا عليه ألقاب الرجولة والبطولة فهو- سيد الجزيرة العربية، وفهد الصحراء- وصقر الصحراء- وغيرها من الألقاب.. وثمة قضية إنسانية تحدث عنها الأمير طلال هي " قضية تحرير الرقيق". يقول: لقد حرر الوالد رحمه الله الجزيرة العربية من العقائد البالية، وأنواع الظلم والعبودية واستغلال الإنسان لأخيه الإنسان.. لقد حرر البادية والحضر من الخوف و(الخوة) أي " الخاوة" وهي عبارة عن جعالة (أجر) يدفعها من يغادر مدينته أو قريته إلى مكان آخر مقابل خفارتهم ممن يسيطر على تلك المنطقة التي يمر بها. كما حرر البادية من الغزو والنهب والسلب ومن تسلط رئيس العشيرة على عشيرته والعشيرة على العشيرة الأخرى.هذا الإنسان الذي حارب ألوان الظلم والاسترقاق لا يمكن أن يكون في أعماقه حب للتملك. فحين ظهر الإسلام كانت الجزيرة العربية كسائر الأقطار تعج بتجارة الرقيق ومع أن الإسلام لم ينه عن اقتناء الرقيق إلا أنه يقف موقفاً إنسانياً واضحاً بالنسبة لتلك المرحلة من التاريخ فحث على اعتاق رقاب الأرقاء وجعل لذلك أجراً عظيماً عند الله. ويتابع الأمير حديثه حول هذا الموضوع فيقول: والوالد الذي سار على كتاب الله وسنة رسوله (صلى الله عليه وسلم) طبق ذلك قولاً وعملاً فحث على عتق الرقيق مع أنهم لم يكونوا أرقاء بالمفهوم القديم للرق. فكانوا أحراراً لا سخرة عليهم ولا إجبار ولا إكراه..وكان الوالد يضمهم وأهلهم إلي بيته وأهله. فمعظم بناتهم وأولادهم أصدقاء وصديقات لنا نحن أبناء عبد العزيز وبناته.. ويقول: فأنا مثلاً وعائلتي المعروفون بـ ( آل طلال) في مجتمع القصر الملكي كنا أول من عتق كل أرقائه في أواخر الستينات وأوائل السبعينات الهجرية بعلم الوالد وموافقته على أني لم أتصور في يوم من الأيام أن هؤلاء الذين كانوا في منزلنا الا أخوة لنا وأبناء. أما تحرير الرقيق في السعودية جمعاء فقد بدأ في 1380هـ حين أمر الملك سعود رحمه الله بتشكيل لجنة لهذا الغرض يرأسها الأخ الأمير عبد المحسن بن عبد العزيز وزير الداخلية آنذاك وعضوية الشيخ محمد الحركان الأمين العام لرايطة العالم الإسلامي وغيره من المسؤولين ولكن الأمر تلكأ لأن الوزارة استقالت- وكان الأمير طلال وزير المالية في هذه الوزارة. ومرض الملك سعود وأعطيت الصلاحيات للملك فيصل رحمه الله الذي كان نائباً للملك ورئيساً للوزراء حينذاك.. فأكمل الملك فيصل ما بدأه الملك سعود وتم تحرير الرقيق في المملكة قاطبة وحرصاً من الملك عبد العزيز على متابعة أحوال بلاده ورعيته وأبعاد الظلم عنهم ومعرفة أمورهم الخاصة والعامة علق في عام 1372هـ على باب مسجد الحرم النبوي الشريف البيان الموقع من الملك عبد العزيز ليقرأه كل من يدخل من الباب الرئيسي حرصاً من الملك على أن يقرأه أبناء الشعب والأجانب وهذا نصه:

من عبد العزيز بن عبد الرحمن بن سعود إلى شعب الجزيرة العربية: " على كل فرد من رعيتنا يحس أن ظلماً وقع عليه، أن يتقدم إلينا بالشكوى، وعلى كل من يتقدم بالشكوى، أن يبعث بها بطريق البرق أو البريد المجاني على نفقتنا، وعلى كل موظف بالبريد أو البرق أن يتقبل الشكاوى من رعيتنا، ولو كانت موجهة ضد أولادي أو أحفادي أو أهل بيتي. وليعلم كل موظف يحاول أن يثني أحد أفراد الرعية عن تقديم شكواه- مهما تكن قيمتها- أو حاول التأثير عليه ليخفف من لهجتها أننا سنوقع عليه العقاب الشديد. لا أريد في حياتي أن أسمع عن مظلوم، ولا أريد أن يحملني الله وزر ظلم أحد، أو عدم نجدة مظلوم أو استخلاص حق مهضوم. ألا قد بلغت.. اللهم فاشهد.."

عبد العزيز آل سعود.