عثمان الصالح ودوره في معهد الكريمات

التاريخ: ٢٦ كانون٢/يناير ٢٠١٧

المؤلف: المرصد الصفحي

الكتابة في التاريخ متاهة لا يجيد الدخول فيها والخروج منها إلاّ متخصص أعطى التاريخ وقته فأعطاه التاريخ بعضه، وإن دخل تلك المتاهة من ليس أهل لها ضاع وأضاع. وفي عدد الجزيرة 13065 يوم الأحد الموافق 3 - 7 - 1429ه قرأت مقالاً للأستاذ فايز الشراري بعنوان (الملك سعود بن عبد العزيز وبداية تعليم الفتاة السعودية) وهو موضوع جيد رغم افتقاده للمصادر التي استقى منها الأستاذ فايز معلوماته حتى نعود إليها إذا ما رغبنا التوسع في الموضوع، وقد أحسن الكاتب في بداية موضوعه، حيث قال: عندما نتحدث عن تعليم الفتاة السعودية في بلادنا فإننا حتماً سنتذكر عندها أو مدرسة أقامها الملك سعود - رحمه الله - وكانت في قصر المربع، حيث أقام هذه المدرسة لتعليم كريماته ولتكون حافزاً ومشجعاً للأهالي لتقبُّل فكرة تعليم الفتاة. وهذا كلام جميل رغم أنّ الكاتب لم يتطرّق للمعارضة التي واجهت افتتاح مدرسة للبنات، لكن الذي دعاني للكتابة أمر استغربته من الأخ فايز وهو التجاهل التام لدور الأستاذ المربي عثمان الصالح في تلك الفترة واعتماد جلالة الملك سعود - رحمه الله - على الأستاذ عثمان في بعض شؤون معهد الكريمات. وقد كنت كتبت حول موضوع معهد ومبرة الكريمات مستنداً على مراجع ومصادر موثوقة؛ فقد كان المجتمع السعودي يعيش تحفظات حيال تعليم الفتاة لمّا رأوا حال الفتاة الطالبة في بعض الدول العربية وما اعتراها من تبرُّج وسفور وتنكُّر لتعاليم الدين الإسلامي الحنيف والتمرُّد على الحجاب، وللمجتمع السعودي الحق كل الحق إن كان تعليم الفتاة سيؤدي إلى ما لا تحمد عقباه. بدأت المعارضة لتعليم المرأة قبل قيام الرئاسة العامة لتعليم البنات، وكانت مدارس البنات الأهلية قائمة في بعض مدن الحجاز خاصة في مكة وجدة وكانت هذه المدارس قليلة جداً ، إلى أن قامت الرئاسة العامة لتعليم البنات ، وتولّت هي الرد على المعارضين من قبل الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ - رحمه الله - ، ومما بيّنه لهم أن التعلُّم والتعليم في الإسلام ليس حكراً على الرجال دون النساء ، والرسول صلى الله عليه وسلم كان يخصص أوقاتاً لتعليم النساء أمور دينهن ودنياهن ، وقد استمرت المرأة تعلّم وتتعلم في جميع حقب التاريخ الإسلامي المزدهرة ، وإن رفض تعليم المرأة بحجة الحرص على صيانة سمعتها وعدم خروجها على وظيفتها الأساسية وهي أن تكون أمّاً، وربة بيت ، قد حصل في عصور التراجع وانحسار التعليم وخاصة في عهود التفكك والدويلات وحكم المماليك ، والمعارضين لتعليم المرأة في بلادنا قد خلطوا بين مبدأ تعليمها وبين ما يجب أو ما لا يجب أن تتعلمه ، كما خلطوا أيضا بين تعليم المرأة كمبدأ وبين أسلوب تعليمها وكيفيته من حيث الاختلاط بالرجال وعدمه ، يقول أحد المعاصرين لهذه المشكلات وهو الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ: (لقد كان كل من الملك سعود والوزير الأمير فهد يطلبان مني معالجة هذا الأمر ... فكنت أناقشهم وأناظرهم ... فكان طلاب الحقيقة يستجيبون ويقتنعون ولو بعد جهد ، أما أصحاب الأهواء والأغراض فكانوا متعبين حقاً بلجاجتهم وعدم رغبتهم الانصياع إلى الحق ... إن إقامة رئاسة تعليم البنات بإشراف سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ومعه مجموعة من العلماء ، كان إجراء موفقاً سد الطرق والمنافذ على المعارضين خصوصاً أولئك الذين عارضوا تعليم المرأة في المدارس باسم الدين والغيرة على الإسلام ، لأنّ قبول سماحته لهذه المهمة هو في الحقيقة فتوى عملية بشرعية هذا النوع من التعليم وتطمين المتخوفين على المرأة)(1). تقول الباحثة أسماء الزايد التي بحثت في رسالة الماستر الفكر التربوي عند الشيخ عثمان الصالح: لاشك أن الشيخ عثمان قد واجه صعوبات عند افتتاحه معهد الكريمات كأول مدرسة نظامية للبنات في نجد ، فعندما أشار الملك سعود على الشيخ عثمان بضرورة إيجاد فرص لتعليم البنات أسوة بالأولاد في معهد الأنجال، أجابه الشيخ عثمان بقوله: (مثل هذا المشروع بحاجة إلى دراسة مستفيضة نستطيع من خلالها إرساء قاعدة صلبة لتعليمهن منهجاً وإدارة، فعقّب الملك سعود قائلاً: اكتب لي مرئياتك حول الموضوع واضعاً في حسبانك أن لا يكون هناك ما يخالف عقيدتنا وعاداتنا، وينبغي أن لا يجد علماؤنا مأخذاً عليك فيما رأيت)(2). (أقبل الشيخ عثمان على أمر له ما بعده فعليه ألاّ يصادم المجتمع بهذه التجربة الجديدة وأن يُري الناس سلامة نتائجها، وأنه ليس فيها ما يخالف الدين والعادات ليقتنع الأهالي بتسجيل بناتهم في التعليم النظامي الحديث، وهذه تمثِّل إحدى الصعوبات ، كما أن الشيخ عثمان أصبح مقبلاً على مشروع تأسيسي جديد يتطلّب منه أن يعمل تخطيطاً شاملاً ودقيقاً ومتوافقاً مع بيئة المجتمع السعودي وثقافته، إضافة إلى أنه لم يكن في نجد مدرسة للبنات يمكن أن يحذو حذوها فتسهل مهمته ، وهذا التخطيط لمثل هذا المشروع يتطلّب وعياً تربوياً وإدارياً وطول خبرة وممارسة في العمل التعليمي والإداري، وقد توفر هذا في شخصية الشيخ عثمان مما مكّنه بفضل الله النجاح في بناء أول جهاز نسائي تعليمي وإداري متكامل وهو معهد الكريمات كان النواة الأولى لتعليم البنات في المملكة)(3). ومن المعلوم أنّ معهد البنات يتكوّن من مؤسستين تعليميتين هما: معهد الكريمات وينفق عليه الخاصة الملكية، والمؤسسة الثانية مبرَّة الكريمات ومصدره المالي كريمات الملك سعود بوجه خاص وغيرهنّ من أهل نجد بوجه عام. وقد (رغب الملك سعود بن عبد العزيز - ولي العهد آنذاك - في عام 1366هـ 1947م في ترسيخ فكرة تعليم المرأة وتوسيع دائرة قبولها في المجتمع، فعمد على أسلوب عملي مماثل في تعليم بناته (نورة، وحصة، وموضي) ليكنّ قدوة للآخريات. كذلك لتكون تلك الخطوة بداية لقبول الأهالي إلحاق بناتهن في مدارس نظامية، وأحضر لهن الأمير مدرِّستين من مصر (فاطمة توفيق، وعايدة علام) وبدأتا في إعطاء الدروس وتشكّلت بذلك مدرسة التحق بها عدد كبير من بناته عام 1371هـ - 1951م، ثم أحضر أربع مدرِّسات من فلسطين بصفة مربيات حتى لا يكون الاسم الحقيقي لهن عائقاً أمام قدومهن من قبل معارضي التعليم)(4) . وكانت أوائل المدرسات هن: (فدوى عفيفي، وأمينة الكاظمي، ومفتية العسلي، ونجلاء النابلسي، وكانت تخصصاتهن في: اللغة العربية تدرِّسها الأستاذة فدوى عفيفي، والحساب تدرِّسه الأستاذة نجلاء النابلسي، والتاريخ والجغرافيا تدرِّسهما الأستاذة مفتية العسلي، وأخيراً الأستاذة أمينة الكاظمي وتدرِّس اللغة الإنجليزية مع الإشراف على بعض الأنشطة غير المنهجية)(5). وبدأت المدرسة بثلاث عشرة تلميذة. وكان الملك سعود يرسل المدرسات إلى منازل الأسرة لإقناعهم بأهمية تعليم البنات. ثم انتقلت المدرسة من قصر المربع إلى فندق صحارى، وزاد عدد التلميذات بعد أن بدأت بعض العائلات في إلحاق بناتهن في المدرسة. ثم بنى الملك سعود قصره في الناصرية. وبنى في داخل القصر أول مدرستين في نجد، وجعل إحداهما للبنين وهي مدرسة (الأنجال) والأخرى للفتيات وهي مدرسة الكريمات وكانت أول مديرة للمدرسة (رحاب الحكيم) من سوريا، ثم تلتها السيدة علياء الدجاني من الأردن، وقد أعطيت إدارة المدرسة صلاحيات تامة في عدم التفريق بين التلميذات سواء الأميرات أو غيرهن من عامة أفراد الشعب. وبدأت الدراسة فيها عام 1376هـ - 1956م وكانت هذه المدرسة تدرِّس مواد المعارف. وفي عام 1380هـ 1960م بلغ عدد التلميذات (480) طالبة، وكانت هي بداية تأسيس معهد الكريمات بالرياض الذي يُعَد أول مدرسة للبنات في منطقة نجد. وبقيت هذه المدرسة هي الوحيدة التي تقدم التعليم الثانوي في المملكة (عدا الحجاز) حتى عام هـ - 1970م. ومن ثم ضمَّت للرئاسة العامة لتعليم البنات وسميت (معهد العاصمة النموذجي) وكان ذلك عام 1384هـ - 1964هـ، بعد أن استمرت (14) عاماً اكتملت فيها مراحله الأربع من الروضة إلى الثانوية)(6). مبرَّة الكريمات بالرياض تُعَد هذه المبرَّة أول دار لإيواء الفتيات اليتيمات في الرياض، أُنشئت في عام 1376هـ - 1956هـ. ولقبت بالكريمات نسبة إلى القائمات على إنشائها والإشراف عليها وهن كريمات الملك سعود الأميرات (حصة، وموضي، ونورة) وسُمِّيَت بالمبرة لشدَّة المعارضة - في ذلك الوقت - لفتح مدارس البنات في الرياض. وسبب إنشاء المبرّة هو الاحتفاء بعودة الملك سعود من إحدى رحلاته الطويلة في العالم الإسلامي عام 1376هـ - 1956هـ م، فتصدّقت الأميرات كريمات الملك بإقامة مبرّة ميمونة لإقامة اليتيمات في دار لهن. ولقد كانت فكرة الأميرة حصة بنت سعود لإنشاء هذه المبرّة حتى تعطي أكبر فرصة للمواطنات في التعليم. فافتتحت المبرّة في فيلا، وخُصِّص لهن مدرِّسات، وجهزت المدرسة بالوسائل اللازمة، وبدأت المبرّة بعدد (14) تلميذة ممن تقبّل أهاليهن إلحاقهن في برامجها التعليمية، وفي القسم الداخلي. ووصل عددهن بعد عام إلى حوالي خمسين طالبة بعد أن اقتنع الأهالي بهذه المدرسة، وبلغ إجمالي التبرعات لهذه المبرّة (150) ألف ريال، (50) ألف ريال من الملك سعود نفسه. وقد واجهن معارضة شديدة من الأهالي الذين قدّموا خطابات اعتراض للملك سعود، إلاّ أنه ولقناعته الشخصية بأهمية تعليم البنات، ساند استمرار المبرّة، وبدأ الأهالي في التقبُّل التدريجي لها. وقد قدّمت لهن المبرّة جميع أوجه الرعاية والإيواء، وتعلّمن القرآن الكريم، ومبادئ الدين، وإدارة المنزل، وتربية الطفل، إضافة إلى منهج وزارة المعارف. واللغة الإنجليزية والأشغال اليدوية، وأعمال الصوف. (علاوة على ذلك امتازت المبرّة بالتنوُّع في البرامج التعليمية والأنشطة، فقد كانت تقدم أنشطة غير منهجية من خلال ممارسة الرياضة، والرحلات الأسبوعية، وإقامة الحفلات)(7). (وقدمت المبرّة التعليم المجاني أسوة بمدرسة الكريمات، كذلك وفّرت للطالبات حافلات لنقلهن إلى منازلهن. وكانت المبرّة تحتوي على قسمين: - قسم داخلي: خاص بالفتيات اليتيمات، لأنه من شروط المبرّة ان تكون الطالبة يتيمة، وأن لا يزيد عمرها عن عشر سنوات ومن أهل البلد. - قسم خارجي: وهو خاص بالفتيات غير اليتيمات. وقد تولى الإشراف العام على المبرّة الشيخ عثمان الصالح الذي كان يشرف على عدد من الجهات التعليمية بأمر من الملك سعود، وهذه الجهات هي (معهد أنجال الملك سعود، معهد الكريمات، مبرّة الكريمات) وكان يتابع وضعه بشكل كامل، ويشرف على أعماله واختباراته ونتائجه وحفلات تخرجه)(8). (أما الإشراف الإداري والاجتماعي على المبرّة منذ قيامها فقد تولّته الكريمات الثلاث حيث وزع العمل فيما بينهن كالآتي: * - الأميرة نورة بنت سعود رئيسة المبرّة. * - الأميرة موضي بنت سعود نائبة رئيسة المبرّة. * - الأميرة حصة بنت سعود سكرتيرة وأمينة المبرّة والمشرفة العامة. أمّا إدارة المدرسة فقد أحضرت إحدى السيدات لإدارة المدرسة ومتابعة أعمالها التربوية وهي السيدة زاهية عسيران من لبنان، واستمرت في الإدارة حتى ضمت المبرّة إلى الرئاسة العامة لتعليم البنات. استمرت المبرّة في جهودها التعليمية حتى بدأت بالمرحلة الابتدائية، ثم افتتحت المرحلة المتوسطة للفتيات اللاتي تخرّجن من المرحلة الابتدائية، وفي عام 1381هـ - 1961م ألغي القسم الداخلي الخاص باليتيمات ليحل محله دار التربية للبنات التي أنشأتهما وزارة المعارف والشؤون الاجتماعية عام 1383هـ - 1963م. واستمرت المبرّة الخارجية تضم المرحلتين الابتدائية والمتوسطة، وعند تخرُّج الفتيات من المرحلة الابتدائية والمتوسطة انتقلن إلى معهد الكريمات للالتحاق بالمرحلة الثانوية لعدم وجود المرحلة الثانوية في المبرّة. وفي عام 1385هـ - 1965م. ضُمّت المبرّة إلى الرئاسة العامة لتعليم البنات وأصبحت الرئاسة هي المشرفة العامة عليها على غرار مدارس البنات الأخرى، وأصبح اسمها المدرسة السادسة عشرة بالمربع)(9). هذا ما تيسّر ذكره في هذا الموضوع وسؤالي للأستاذ فايز هل فعلاً كنت تجهل دور الأستاذ عثمان الصالح في تلك المرحلة أم أنك تجاهلته وبينهما فرق. ورغم هذا التجاهل فموضوعك جيد وتشكر عليه. **** 1 - آل الشيخ ، عبد العزيز بن عبد الله بن حسن (1412). لمحات عن التعليم وبداياته في المملكة العربية السعودية. الرياض: العبيكان للطباعة والنشر. 2 - مجلة المعرفة. سنة 1418هـ عدد محرم. معلم بلا عصا. ص112. 3 - الزايد، أسماء عبد الرحمن. رسالة ماجستير غير منشورة. جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. 1428هـ. 4 - من أوراق خاصة للأميرة فهدة بنت سعود قدّمتها للباحثة حصة الهلالي ونشرتها في كتابها التعليم في عهد الملك سعود بن عبد العزيز آل سعود دراسة تاريخية وتوثيقية، ص 431 الطبعة الأولى 1427هـ. دارة الملك عبد العزيز. 5 - من أوراق خاصة للأميرة فهدة بنت سعود قدّمتها للباحثة حصة الهلالي ونشرتها في كتابها التعليم في عهد الملك سعود بن عبد العزيز آل سعود دراسة تاريخية وتوثيقية، ص 431 الطبعة الأولى 1427هـ. دارة الملك عبد العزيز. 6 - وثائق وزارة المعارف: الدرج 26، ملف 258، إجابة أسئلة الوثائق التربوية للشيخ عثمان الصالح. نقلاً من كتاب التعليم في عهد الملك سعود بن عبد العزيز آل سعود. ص 431. للأستاذة حصة الهلالي مصدر سابق. 7 - مجلة المنهل: عدد ذي القعدة 1376هـ - 1956م ص 485. نقلاً من كتاب التعليم في عهد الملك سعود بن عبد العزيز آل سعود. ص 434 للأستاذة حصة الهلالي مصدر سابق. 8 - مجلة المنهل: عدد ذي القعدة 1376هـ - 1956م ص 485 - 486. من الأوراق الخاصة بالأميرة فهدة بنت سعود، نقلاً من كتاب التعليم في عهد الملك سعود بن عبد العزيز آل سعود. ص 434 للأستاذة حصة الهلالي مصدر سابق. 9 - ورقة عمل قدّمتها الأميرة فهدة بنت سعود في جمعية أم القرى النسائية بمكة المكرمة بمناسبة المئوية في 1420هـ. نقلاً من كتاب التعليم في عهد الملك سعود بن عبد العزيز آل سعود. ص 435 للأستاذة حصة الهلالي مصدر سابق. محمد بن سعد الشريف الإشراف التربوي بتعليم الرياض