من ذاكرة السعودية.. قصة سنة "العظامية" التي اجتاحت شمال السعودية.. وهذا ما فعله الملك سعود

التاريخ: ٢٠١٧ - ١٣ رمضان ١٤٣٨

المؤلف:بدر الجبل




في الحلقة السادسة من "ذاكرة السعودية" تقرؤون قصة الأم التي ماتت جوعًا لتُطعم أطفالها، وقصصًا أخرى من مأساة سنة (العظامية) التي اجتاحت
شمالالسعودية في السبعينيات الهجرية. ويعرض الباحث في تاريخ السعودية "عبدالله العمراني" ما حدث في عام 1374هـ حين أصاب شمال السعودية قحط، واشتداده عام1379هـ.

ويقول الباحث العمراني: أصاب شمال السعودية جفاف، وتحديدًا (منطقة الحدود الشمالية– الجوف– تبوك). واستمر هذا الجفاف لمدة سبع سنوات متتابعة، جفت فيها المراعي، وبدأ سكان البادية يتنقلون من مكان إلى مكان بحثًا عن الحياة، واجتمع الجوع والتعب والعطش على الإبل والأغنام؛ وبدأت تتهاوى فرائس بين يدي الموت.

وأضاف: في عام 1379هـ، وبعد اشتداد القحط بشكل كلي، قام الملك سعود - رحمه الله - بإرسال المعونات إلى أبناء بادية الشمال على متن عدد كبير من السيارات التي تحمل بداخلها الطعام والكساء، والتي أطلق عليها بادية الشمال (صدقة سعود)، كما قام بتكليف وزير الزراعة السابق عبدالله الدباغ – رحمه الله– على رأس وفد مكوَّن من خبراء الثروة الزراعية والحيوانية بوزارة الزراعة؛ وذلك لتفقد أوضاع بادية الشمال في عام 1380هـ.

وقال العمراني: يروي الأستاذ علي العزت، مدير الإرشاد الزراعي في تلك الفترة، وهو أحدأعضاء الوفد المكلف بتفقد أحوال بادية الشمال، ويقول: "لقد كان اليأس يخيم على البادية، وكان من الصعب علينا أن نتبيَّن منازل البدو في الليل؛ فلم يكونوا يشبون نارًا؛ لأنهم لا يجدون ما يوقدون النار من أجله؛ لأنهم لا يقدرون على البحث عن الحطب".

وأضاف: يصف أمير القريات في تلك الفترة، الأمير عبدالله بن عبدالعزيز السديري، استقبال البدو معونة (صدقة سعود) التي جاءتهم، ويقول: "أقبلت لجنة توزيع المعونة على أحد المخيمات عند الغروب، ووراءها السيارات تحمل الأرزاق، وعندما وصلت السيارات أطلت رؤوس من الخيام، ولم تجد القدرة على القيام لاستقبالنا، ودعوناهم، وعندما أقبلوا إلينا وعرفوا أننا نحمل لهم المعونة من الملك سعود طلبوا توزيعها في الحال. وأمام الإلحاح وحالتهم لم نستطع الصبر إلى الصباح، وبدأنا التوزيع في الليل،وبدأت الخيام تشب النيران، وبعد ساعات كانت جنبات (وادي السرحان) قد أضاءت كلها بالضوء، وتجمع الصغار حول القدور يستعجلون نضج الطعام".

وتابع: ويمضي الأمير عبدالله السديري –رحمه الله– يصور فرحة البدو، وقد ناموا ببطون مشبعة لأول مرة منذ سنوات، ثم يقول: "والله لولا هذا لماتوا من الجوع. يترك ناقته لتموت جوعًا. وقابلت بعثة وزارة الزراعة في عرعر بدويًّا يسوق خمسة من الإبل هزيلة،قد التصق جلدها بعظامها، وقال الرجل إنها كل ما بقي له من الإبل التي كان يبلغ عددها 80جملاً، وأشار بعيدًا إلى ناقة قد توقفت من التعب، وقال للبعثة: (أنا مضطر لتركها تموت جوعًا لأنني أريد أن ألحق الربيع بهذه الإبل قبل أن تهلك)".

الديك بـ10 ريالات والجمل بـ 4 ريالات

وروى بعض سكان البادية قصة رجل، أخذ ديكًا لسوق تيماء فباعه بـ10 ريالات، واشترى جملين بـ 8 ريالات، وبقي معه ريالان؛ فقد اضطر الناس إلى بيع إبلهم الهزيلة بأبخس الأثمان؛ لأنهم لم يجدوا ما يطعمونها به.

يقترض صاعًا من الأرز لإطعام الضيوف

لم يبقَ على الأرض من الماشية ما يرعى العشب، ولم يترك القحط لأهل البادية شيئًا،وعندما ذهبت (لجنة الوزارات) للشمال صدمها الواقع المرير عندما التقى أعضاؤها بعض شيوخ البادية الذين كانوا معروفين بكثرة الإبل والمال.. وما زال أعضاء اللجنة يتذكرون كلمات أحد شيوخ بادية الشمال وعباراته التي كادت تخنق صوته عندما قال: "يا أهل(النبك أبو قصر) يا عرب البادية، كلكم تعرفونني وتعرفون ما كان عندي من مال، والآن أقسم بالله العظيم أنه جاءني منذ يومين ضيفان فلم أجد ما أطعمهم به لولا أن موظفًا من (النبك) أقرضني صاعًا من الأرز، أوقدت عليه وأطعمت الضيفين".

ووقف آخر من دومة الجندل، وقال: "أنتم يا عرب تعرفونني أنا (فلان)، كان عندي 3 رعايا من الإبل غير الغنم، وقد نزلت بدومة الجندل، وأطعمنا أهلها أنا وعيالي، واضطررت للسؤال، حتى الثوب الذي علي أعطاني إياه هذا الرجل"، وأشار إلى أحد أبناء دومة الجندل. وتابع "وقد أثقلنا على أهل دومة حتى أفقرناهم ولم نغتنِ، وقد فكرت مرات في الهرب من عيالي، وقمت في وسط الليل عازمًا الهرب منهم، وكان يردني في كل مرة إيماني بالله، وأن النجدة سوف تأتينا يومًا، والحمد لله أنكم جئتم فانقلوا هذا لسعود".

ماتت جوعًا لتطعم أطفالها

ومن صور تلك المأساة أن جماعة من البادية عثروا على امرأة قرب تيماء وقد فارقت الحياة، فوجدوها وقد لفت على بطنها حزامًا حتى التصق بطنها بظهرها، وعرفوا المرأة وقصتها، فقد كانت تستجدي الناس القوت، وتأخذه فتطعم أطفالها الصغار، ولا تأكل منه شيئًا؛ لأنه لم يكن يبقى لها شيء من القليل الذي تجمعه لصغارها، وظلت تشد الحزام على بطنها يومًا بعد يوم حتى ماتت في النهاية من الجوع.

وبفضل الله ثم إعانة الملك سعود لأبناء بادية الشمال تم إنقاذ حياة الكثيرين من أهل البادية من الموت جوعًا. ولقد سميت سنة 1379هـ سنة (العظامية)؛ لكثرة عظام الماشية المتناثرة في الصحراء بسبب القحط الذي أصاب تلك البوادي. وبعد أن انتهى وزير الزراعة من رحلته لشمال السعودية جرى العمل على تنفيذ مشروع إنعاش بادية الشمال في عام1381هـ، الذي كان يهدف لاستقطاب أبناء البادية للعمل الزراعي.

وفي الحلقة السابعة تشاهدون صورًا حصرية عن نشأة جمعية الهلال الأحمر السعودي.