ورقة عمل عن الملك سعود في مؤتمر المئوية بعنوان : الدور الذي لعبه الملك سعود بجانب والده في تأسيس المملكة

التاريخ: ٥ شوال ١٤١٩ الموفق ٢٢ يناير ١٩٩٩م

المؤلف:فهدة بنت سعود

المقدمـــة:

منذ فترة ليست بقليلة ، فكرت في إعداد مؤلف تاريخي لسيرة الملك سعود بن عبدالعزيز – يرحمه الله – ، لقد تداعت لي الفكرة لأنه وإن توارى تحت التراب ، إلا أن معطياته مازالت باقية فخلودها واستمراريتها إلى اليوم أكدت حسن إعدادها وتنفيذها. فدوره ومساهمته في تأسيس ووحدة البلاد بجانب والده يعد محور حديثنا في هذا البحث.

ورأيت أن من الإنصاف أن نكرم الملك سعود بما يستحقه من تكريم ، فما أجمل أن نكرم من قدم لبلده الكثير وعمل على نمائها ، والأجمل أن تكون ترجمتنا لما يستحقه بسرد الأحداث وتدوينها دون نقص أو زيادة ، وحين الإعلان عن مؤتمر"المملكة العربية السعودية في مائة عام" سنحت لي الفرصة لأتقدم ببحث عن والدي – رحمه الله – مستعينة بعد الله بما لدي من مراجع علمية ووثائق محلية وأجنبية ، جمعتها بنفسي بمدة ليست بقصيرة ،إضافة إلى تزويد الأصدقاء لي ببعض المراجع .
لقد كان سعود من أبرز شركاء أبيه ومساعديه في إنشاء وأعمار المملكة ، إلى أن وصلت إلى شكلها الحالي كنموذج لدولة حديثة وعصرية وفي فترة زمنية قياسية .

لقد حاولت جاهدة سرد الأحداث وتدوينها بعيداً عن تداخلات ومؤثرات عاطفة الابنة تجاه أبيها، تناولتها بتجرد ، واتبعت فيها أسلوب البحث التاريخي ، معتمدة أسلوب الحيطة والحذر وأنا استعرض معطياته وإنجازاته ، باعتبار أن ما يُبحثُ ويدونُ رصيدٌ يجب أن نحافظ على سلامته دون أخطاء.
لم أتعمد رفض أي حقيقة ورد ذكرها في الوثائق والمراجع ؛ لأن من حقه أن نتعامل مع ما قدمه من أعمال بالدراسة والبحث والنقد والتقييم.

لقد سبقت أدوار وأعمال الملك سعود فترة حكمه ، بل أن أعماله كانت سابقة لمرحلة توحيد الجزيرة ، فهو ابن موحد الجزيرة الأكبر بعد وفاة شقيقه الأمير تركي ، كما أنه الفتى الذي تزامن يوم مولده استعادة والده مدينة الرياض ، ورافق والده في حروبه بعد أن شب وقاد الجيش في العديد من فتوحات والده ، وساهم في لم شمل القبائل المتنافرة ، وفي كسب ألد الأعداء بالمودة والحسنى ، وتلك ميزة قدّرها والده له ، ورأى أن فيها تدعيماً لأهدافه .

وعند تنصيبه ولياً للعهد أدى دوراً بارزاً بصفته الرجل الثاني في الدولة بعد والده ، وأسندت له العديد من المهام الداخلية والخارجية ، وانفرد بقرارات وسلطات فوضها له والده لإدارة شؤون البلاد إدارياً ومالياً وعسكرياً ، ومثّل والده في العديد من الزيارات الخارجية لعقد الاتفاقيات الدولية في مراحل سياسية عالمية حرجة.

لقد كانت مرحلة حكم الملك سعود بن عبد العزيز كملك للبلاد بعد والده من أصعب المراحل التي يمر فيها ملك ، فسعود الابن الأكبر بصفته خليفة والده في الحكم ، جعله في موقع مقارنة الخليفة بالمؤسس طوال فترة حكمه ، كما أنه بدأ عهداً اختلفت فيه السياسة الدولية اختلافا جذرياً عن سابق عهدها ، وأصبحت القوة الاقتصادية تفوق القوة السياسية والعسكرية ، وتطلع إلى التنمية، وأصبحت بالنسبة له مطمحاً وغاية تستلزم إحداث تغييرات في الأنظمة السابقة ، وتطلبت أيضاً الانفتاح على العالم الخارجي وبصورة أوسع لاستيراد ما تحتاجه التنمية الاقتصادية في المملكة ، والتي كانت تُعامَل بحذر في عهد الملك عبدا لعزيز ، ووجد ذلك الانفتاح مؤيدين ، ومنهم من استنكر التعامل معها خاصة من المتحفظين في إقامة جسور من التعاون مع الدول الغربية.

كما أن العالم الخارجي كان ينظر إليه كزعيم إسلامي ، خليفة لوالده الملك عبدالعزيز الذي وحد قبائل متنافرة متقاتلة يعتمد معظمها على السلب والنهب ، وقطع الطرق ، وانتهاك حرمة الحجاج وسلبهم، وحَّولها إلى مجتمع إسلامي متآخٍ ، وكانت العقيدة طريقه وأسلوبه في التوحيد ، وجمعهم تحت كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله. ولعل خلافته للزعامة الإسلامية بعد والده أضافت إلى مسؤولياته المحلية مسؤوليات إقليمية وإسلامية أكبر ، فكان يفكر مرة بأسلوب والده ، ومرةً أخرى تفرض عليه الظروف المتلاحقة والسريعة في التطورات قرارات تختلف عن ما سبقها في عهد والده، في عصر شهد ظهور التكتلات ، والتي قـد تتعـارض أو تتفـق في الأهــداف والاتجاهات والعقائد والمصالح ، وأصبح يُنظر له كزعيم إسلامي وزعيم لأكبر قوة اقتصادية عربية وإسلامية ، كل تلك الظروف واجهها الملك سعود – رحمه الله – في حكمه بعد أبيه، إلا أنه كان يعمل وبجهد بالغ لمصلحة بلده وأمته العربية والإسلامية،وكان حريصاً على عدم التخلي عن المبادئ التي نشأ عليها وآمن بها طوال فترة حياته ، بدءاً بالمساعدة لوالده في توحيد وتأسيس المملكة ، مروراً بولايته للعهد ، وانتهاء بحكمه للبلاد حتى وفاته .

لقد كان الإخلاص والتفاني والإنجاز المتواصل والسريع منهجه في العمل ، ولم تنطفئ في وجدانه شعلة العطاء لمصلحة بلده تأكيداً لما وعد شعبه به عند تولي الحكم. ولم يكن التفاني في العمل ميزته البارزة فقط ، بل أن الإنسانية كانت سمته ، وكانت كلمة الخير ومدلولها المنفذ والطريق للعبور إلى أعماق قلوب الشعب، واستشعرها فيه الملك عبد العزيز طيب الله ثراه مراراً وفي مواقف كثيرة قبل و بعد التوحيد ، فقد رأى أن النوايا الطيبة هي أحد أساليب ابنه سعود لمد جسور التعاون مع الناس في سياسته الرامية للم شمل القبائل وتوثيقها ، ورأى فيه منفذاً إنسانياً عرف من خلاله كيف يحتويهم بالحب والعطاء ، واندفع بما في نفسه من إنسانية رائعة مستشعراً بحبه واقع الضعفاء ، وتلمس احتياجاتهم ورغباتهم ومواطن شكواهم في كل زياراته للمناطق في فترة حكم والده ، ثم في فترة حكمه .

إن مساهمتي المتواضعة في تقديم هذا البحث وفي هذه الفترة القصيرة واجهتها بعض الصعاب في جمع المعلومات من المراجع المحلية ، إلا أنه وبحصولي على العديد من المراجع الأجنبية والعربية ، وجدت أن في تاريخ الملك سعود إنجازات لم تُدوّن ومساهمات قل ماكُتب عنها ، فتسجيلها خلال فترة حكمه وما سبقها لم تكن من همومه ، حيث كان يرى نفسه خادماً لدينه ثم لأبيه ووطنه .
ويحدوني الأمل في أن تكون بدايتي في هذا البحث الشامل والمختصر تشجيع للمؤرخين والباحثين من أبناء الوطن لتناول الجوانب المتعددة في مرحلة حكم الملك سعود ، وإنجازاته على الأصعدة المحلية والعربية والإسلامية ، فمن الواجب أن ننصفه ونعطيه حقه في التدوين والتوثيق لإنجازاته لوطنه ولخدمة المواطنين ، مستخدمين المعايير المتلائمة والمتطابقة مع قيم وسلوكيات ذلك العصر ، وإذا وفقنا في مساعينا هذه نكون قد أدينا جزء من واجبنا تجاه بلادنا وتاريخها .


الخلفية التاريخيــة لآل سعود قبل فترة استعادة الملك عبد العزيز للرياض (1308 – 1319هـ الموافق 1891 – 1902م ):

إن بداية البحث التاريخي عن الدولة السعودية يتطلب منّا الحديث عن الإمام عبدالرحمن بن فيصل بن تركي آل سعود أحد الأقطاب المؤسسة لها .
لقد نشأ الإمام عبد الرحمن في نجد ، التي نشأ فيها آباؤه وأجداده وتحديداً في مدينة الرياض قلب نجد ورمزها ، كما أن حياة الإمام عبد الرحمن تمثل حلقة وصل بين الدولة السعودية الثانية والتي انتهت عام 1308هـ / 1891م ، والدولة السعودية الثالثة والتي بدأت عام 1319هـ /1902م ، وعاصر فترتين وجدت كل منهما في ظل ظروف محلية وإقليمية وعالمية متوترة.
وخلال هذه الفترة كانت الجزيرة العربية مقسمة ، يحكمها شيوخ ، وتضم قبائل متنافرة في تنافس وحروب مستمرة، ومحاولة للسيطرة وبسط النفوذ من الدولة العثمانية والتي حكمت مدة تنيف عن الأربعة قرون، في الوقت الذي بدأت تظهر عليها علامات الضعف والهوان بسبب محاولات الإمبراطورية البريطانية استغلال الظروف والتحضير لمزيد من التوسع والهيمنة على أهم المناطق الإستراتيجية في العالم وهو العالم العربي الذي يربط بين مصالحها في الشرق والغرب.

وكانت بعض مناطق الجزيرة العربية كحائل والقصيم والحجاز لا تزال تحت النفوذ العثماني، كما وأن بعض مشيخات الخليج تحت السيادة البريطانية ، أما قلب الجزيرة العربية فكان لا يزال بعيداً عن الأطماع السياسية لتلك القوى في المنطقة لفقره ، وبعده عن مسرح الأحداث ومراكز القوى المتصارعة .
ووجد الإمام عبد الرحمن نفسه – وهو أصغر إخوته ، وكان سنه آنذاك أربعين عاماً – صاحب الزعامة للعائلة في الرياض بعد وفاة أخيه الإمام عبد الله بن فيصل سنة 1307هـ / 1889م ، وكتب الإمام عبد الرحمن للأمير محمد بن رشيد ( زعيم قبيلة شمر وأمير حائل ) رسالة يطلب منه سحب ممثله فهاد بن رخيّص لسوء أسلوبه في التعامل مع الأهالي دون أن يشير إلى وضع بديل عنه ، وقام محمد بن رشيد بتعيين سالم السبهان والذي عُرف بشراسته ، وقد توجس الإمام عبد الرحمن شراً من هذه البادرة غير المتوقعة و حاول أن يستبق الأحداث ويلقي القبض على سالم السبهان في مناسبة عيد الأضحى ، ولكنه لم يتمكن من ذلك بسبب فراره ، وفي مصادر أخرى ذُكر بأنه تم إلقاء القبض عليه ثم الإفراج عنه بعد مفاوضات لاحقة. (1)

كما ثار أهالي القصيم وطلبوا من الإمام عبد الرحمن الإمدادات العسكرية مقابل الاعتراف بالولاء له ، إلا أن محمد بن رشيد حاصر الرياض لمدة أربعين يوماً ، وانتهت المحاصرة بالصلح ليعود الوضع كسابق عهده ، وكانت مساعي التسوية هذه هي أول محاولة يشارك فيها عبدالعزيز بن الإمام عبد الرحمن ، ولعب عبد العزيز أول دور سياسي له في عقد هذا الصلح ، ولم يدم الصلح طويلاً ، وقام الإمام عبد الرحمن بعدة محاولات لتجميع القوى وواجه مصاعباً لم تمكنه من مواجهة ابن رشيد ، خاصة بعد أن سمع نبأ فشل أهالي القصيم بتمردهم على آل رشيد وهزيمتهم في معركة المليداء 1308هـ / 1891م ، والذي لم يتمكن من المشاركة فيها ، فأضطر إلى مغادرة الرياض مع عائلته ، ومعه ابنه عبد العزيز ، وكان حينذاك في الخامسة عشرة من عمره ، تاركاً أخاه محمد في الرياض. ثم عاد الإمام عبدالرحمن ودخل الرياض ثم واجه ابن رشيد عند حريملاء ، وانهزم وغادر المنطقة بأسرته إلى نواحي الأحساء.

وبينما هو في انتظار الرد من الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة حاكم البحرين للسماح له بترك أسرته لديه مكث في صحراء شرق الجزيرة العربية يترقب الأحداث ثم أتته الموافقة بناء على شفاعة حافظ باشا المتصرف العثماني للأحساء على الإقامة حيثما يشاء في المناطق الخاضعة للنفوذ العثماني ، عندها استقر رأيه على الإقامة في الكويت ، بعد أن رُفِضَ طلبه الأول ، وحددت له مساعدة شهرية من العثمانيين ، وقد كان اختيار الإمام عبد الرحمن للكويت لكونها المكان الأنسب لمراقبة الأحداث والتطورات السياسية في نجد والمناطق المجاروة لها ، وكانت الكويت ‎في ذلك الوقت تحت إمارة الشيخ محمد الصــــباح الذي قُتل فيما بعد مع أخيه جراح على يدي أخيهما مبــارك سنة (1312هـ /1894م) (2).

ثم توفي محمد بن رشيد في (1316هـ / أواخر 1897م) وتولى مكانه ابن أخيه عبدالعزيز بن متعب بن رشيد .

وفي ظل تلك الظروف القاسية التي كانت تواجه أسرة آل سعود في الكويت، ترعرع عبدالعزيز بن عبد الرحمن الذي ولد في الرياض سنة 1293هـ / 1876م ، ونشـأ مرافقاً والده في تنقلاته في المنفى ، يعاني من العيشة الضنكه ، بدءًا من إقامته مع قبائل بني مُرّة في الصحراء حتى استقراره في الكويت ، والتي كانت منفتحةً على العالم الخارجي – نسبياً – في ذلك الحين ،إلا أن استقراره في الكويت أبعده عن نجد موطن عائلته وأرض أسلافه ومنطقة مجدهم .
وخلال تلك الفترة لم تتغير الظروف ، بل ازدادت تعقيداً ، وزادت معها الخلافات بسبب الرغبة في السيطرة على قلب الجزيرة من قبل آل رشيد والدولة العثمانية ، وأطماع الدول المجاورة ، ومحاولات بريطانيا للتحالف مع الأقوى بهدف تحقيق أهدافها السياسية .
وكان عبد العزيز مراقباً لكل تلك الأحداث ، ولكنه عاجزٌ هو وأبوه عن العودة إلى الوطن، وقد باءت محاولاتهما لاستعادة السلطة بالفشل نتيجة قلة الإمكانيات المادية ونفوذ آل رشيد في المنطقة، وذلك في عام 1318هـ/1901م.
إلا أن عزمه على استرداد الرياض وإحياء مجد آبائه حفزه للقيام بمحاولة أخرى مع نخبة من أقربائه من آل سعود ومن والاهم رجالٌ حلموا معه بالعودة ، وتبعوه حتى تيسر لهم هدفهم وتحقق حلمهم في استعادة الرياض عام 1319هـ / 1902م.

استعادة الرياض وولادة الملك سعود (1319هـ / 1902م):
تمكن عبد العزيز بن عبد الرحمن من استعادة مدينة الرياض ، وبسط حكمه عليها بالرغم من قلة الإمكانيات المادية والبشرية وما عاناه ورجاله من مشقة في الصحراء.
وفي وقت كانت فيه الجزيرة العربية وعلى وجه الخصوص الخليج العربي مقسماً بين مصالح ونفوذ بريطانيا والدولة العثمانية ، ووجد الأمير الشاب نفسه محاطاً بين قوتين عظيمتين ، تريد كل منهما السيطرة وبسط النفوذ ، ولكن أي منهما لم يعط اهتماماً خاصاً لآل سعود بسبب وضعهم في ذلك الحين . (3)
كانت استعادة عبد العزيز للرياض في ظل هذه الظروف وتحقيقه مبتغاه يوم لا ينسى في تاريخ نجد وهو 5 شوال 1319هـ / 15يناير 1902م ، وبهذا التاريخ كانت بداية عهد جديد للدولة السعودية الثالثة ، وفي هذه الليلة وُلد له ابن في الكويت ، وعندما بُشر به بعد استرداده الرياض أسماه سعوداً تيمناً بالنصر الذي حققه في استعادة مجد آبائه وأجداده وتفاؤلاً بالمستقبل الذي يأمله، وبقي ابنه سعود مع جده الإمام عبد الرحمن وأفراد العائلة في الكويت ، ولم يعودوا إلى الرياض إلا بعد أن أستتب الأمن ووضع عبد العزيز التنظيم اللازم للدفاع عن المدينة .
وأرسل عبد العزيز في طلب والده وعائلته واستقبلهم استقبالاً حافلاً ، ثم عرض عبدالعزيز على أبيه الإمام عبد الرحمن استلام مقاليد الحكم على أن يكون جندياً تحت إمرة أبيه ، إلا أن والده الإمام عبد الرحمن رفض ذلك تقديراً لابنه وثقته في مقوماته الشخصية ، والتي تمكنه من القيام بمهامه على أكمل وجه لخدمة دينه والرعية وحماية مصالحها ، إلا أنه ونتيجة لإصرار ابنه عبدالعزيز والوجهاء والأعيان قَبِلَ أن يواصل دوره إماماً عليهم ومشيراً وناصحاً لابنه ولهم في مداولة وإدارة شؤون البلاد.
لقد قام الإمام عبد الرحمن رحمه الله بدور إيجابي في أداء واجباته وحماية مصالح ابنه خاصة خلال غياب عبد العزيز عن الرياض ، واستمر الإمام عبد الرحمن بدوره ذلك طوال حياته إلى أن وافته المنية في الرياض سنة 1346هـ / 1928م .

نبذة عن والدة وأخوال الملك سعود ( آل عريعر ) :
لسعود بن عبد العزيز أخ أكبر اسمه تركي،( وهو الاسم الذي يكنى به والده )، وهو من مواليد عام 1318هـ /1900م ، كما أن له أخوين شقيقين توفيا في عمرٍ صغير، وله شقيقة تسمى منيرة .
والدتهم وضحى بنت محمد الحسين آل عريعر من آل حميد ، وعائلة آل عريعر تنسب إلى قبيلة بني خالد المشهورة والمعروفة بشكيمة بأسها ، وامتدادها في قلب الجزيرة والخليج العربي ، وآل عريعر شيوخ بني خالد عدنانيي الأصل بالرغم من تواجد بعض الأقوال التي تشير إلى أصلهم القحطاني ، وقد قدموا من موطنهم السابق في بلاد الشام والحجاز إلى الأحساء ، وقطنوا بين المثلث المتكون من وادي مقطع في الشمال ، نحو نجود الصمان في الغرب ، والبياض في الجنوب ، يُنسبوا إلى قبيلة بني مخزوم القرشية ، والتي منها ذرية سيف الله المسلول ، الصحابي خالد بن الوليد رضي الله عنه . وعندما وصلت قبيلة بني خالد إلى الأحساء ، ملكت مناطق شاسعة من الخليج في فترات مختلفة من التاريخ ، بعد أن قضت على النفوذ العثماني في الأحساء في عام 1080هـ /1869م أو حواليه (4) .
ويذكر بعض الرواة من بني خالد بأن هناك خلافاً حصل بين آل السرداح وآل عريعر وهم أبناء عم يعودون إلى آل حميد ، وذلك بعد اندحار بني خالد خلال عصر الدولة السعودية الثانية ، فذهبوا جميعاً إلى البصرة وقطنوا لدى آل السعدون شيوخ قبيلة المنتفق، وعند وفاة والد وضحى – والدة الملك سعود – محمد الحسين العريعر انتقلت والدة وضحى (عبطه السرداح) بها وبأختها حصة إلى القطيف ، ولجأت إلى أخويها نهار وطلمس السرداح ، اللذين أرادوا أن يزوِّجوا بناتها لآل السرداح ، ولكنها رفضت أن تزوجهم إلا لأبناء عمهم من آل عريعر ، واستنجدت بحمادة بن عبد الله الحسين آل عريعر ( ابن عم بناتها ) الذي كان في زيارة للأهوار بالعراق قادما من الكويت ، فعاد حماده وأخذ معه وضحى إلى الكويت حيث زوجها للملك عبدالعزيز، الذي كانت له علاقة وطيدة معه ، وذلك منذ أن تعرف عليه بواسطة الشيخ مبارك الصباح ، الذي تزوج بحصة أخت وضحى في فترة لاحقة .
ووضحى العريعر ( والدة الملك سعود ) هي الزوجة الثانية في حياة الملك عبدالعزيز، علماً بأن الأولى لم تنجب له أولاداً .
استمرت علاقة الملك عبد العزيز مع حماده آل عريعر. فكان من أقرب أصدقائه ، وشاركـــــه في العديد من غزواتـــــه ،كما أن ابنه نايف كان صديقاً مقرباً لابني الملك عبد العزيز تركي وسعود ، وشارك مع سعود في حرب اليمن ، وتوفي بعد وفاة الملك سعود (5) .
لقد اتسمت شخصية الملك عبد العزيز بالدهاء والحنكة ، فقام بتعزيز علاقته بالقبائل من خلال مصاهرته لهم ، وفعل ذلك أيضاً مع بعض الأسر المعروفة في الجزيرة. وهذه الخطوة من ضمن العديد من الخطوات ساعدت في إزالة الخلافات والنزاع بين القبائل ، كما أنه – ولقرب منطقة الخليج من نجد – أراد توثيق علاقته مع قبائل هذه المنطقة وتم له ذلك بمصاهرته قبيلة بني خالد وهو مقيم بجوارهم في الكويت ، وحقق ذلك فائدة لبلاده خاصةً ، وأن الخليج هي المنفذ البحري والتجاري لنجد .
لم تكن وضحى ، والدة الملك سعود ، الزوجة الوحيدة من بني خالد للملك عبدالعزيز ، بل تزوج بعدها العنود بنت برغش السرداح ، ثم طلقها ، وتزوج أختها سارة وطلقت أيضاً . وفي وقت لاحق اقترن بحصة أخت وضحى بعد طلاقها من مبارك الصباح وعودتها للعيش مع أختها وضحى في الرياض بعد طلاقه لوضحى ، كما تزوج أيضاً من أم دليّل بنت عبدالعزيز ( وهي من المهاشيل من بني خالد ) وأم شيخه بنت عبد العزيز من آل المنديل من بني خالد ، ولقد تزوج الإمام عبد الرحمن أيضاً منيرة بنت هتيمي آل ثنيان من المهاشيل ، وهي والدة عبد الله بن عبد الرحمن ، كما أن جدة الملك عبد العزيز ( والدة أمه سارة بنت أحمد السديري) من آل النويران من المهاشيل (6) ومن المعروف أنه حين استقرار الدولة السعودية الحديثة وإقرار المخصصات لشيوخ القبائل والأسر ، كل حسب تقديره ومساهمته ودوره في تأسيس الدولة ، رفض الملك سعود أن يتمتع أخواله بأي امتيازات استثنائية دون سواهم .
أما والدته وضحى فلقد عايشت وفاة أولادها الخمسة ، وتوفت بعد وفاة الملك سعود بأربعين يوماً في مدينة الرياض . وكانت امرأة صالحة طوال حياتها ، تتصف بالكرم والشفقة ، وأوصت بثلث مالها للفقراء والمساكين كصدقة جارية ، وبنت العديد من المساجد في مدينة الرياض .
أما منيرة بنت عبد العزيز ( شقيقة الملك سعود ) فتزوجت من تركي بن عبد الله بن سعود بن فيصل ، ثم من ابن عمها خالد بن محمد بن عبد الرحمن ، وبعد طلاقها منه، تزوجها فهد بن سعد بن عبد الرحمن . وأنجبت له عبد الله وموضي ، ولم يعيشا طويلاً، وتوفيت هي أثناء ولادتها لطفل لها في قصر المربع(7) ، ومما يذكر بأنها كانت تتمتع بشخصية قوية ،ومُقربة لشقيقها الذي كان يستشيرها تقديراً لقدراتها.
أما شقيقه تركي بن عبد العزيز فقد تزوج من ابنة عبيد بن رشيد قبل معركة جراب وأنجب فيصل ، وتزوج بعدها من طرفه آل مهنا من القصيم وأنجبت له حصة (8) ، وقد وصفت المصادر المدونة الأمير تركي بأنه كان محارباً مقداماً ومرافقاً لوالده منذ طفولته ، الذي دربه مع شقيقه سعود على فنون الحرب ، وقد رافق تركي والده وهو لم يتجاوز عشر سنوات إلى الكويت ، وذلك في عام 1328هـ / 1910م لمشاركة الشيخ مبارك الصباح في قيادة حملة لتأديب شيوخ ظافر والشيخ سعدون ، ورافقه أيضا في غزوات أخرى ،منها غزوة أبو ليلى ضد شيوخ بني هاجر بقرب الأحساء.(9)
وعندما استعاد الملك عبد العزيز القصيم ، عينه أميراً عليها للتصدي لابن رشيد ، وبقي عامين في بريدة قبل أن ينضم إلى جيش والده مع أخيه سعود في ياطب لمواجهة ابن رشيد(10) ، وقد عُرِفَ – رحمه الله – بالشجاعة والمهارة المتفوقة في فنون الفروسية وبالمقدرة الإدارية ، وكان شبيهاً لوالده في الهيئة والسيرة (11) ، إلا أن المنية وافته وهو في ريعان الشباب عام 1337هـ / 1919م ، عندما عمت البلاد الوافدة الاسبانيولية ، وتوفي فيها أيضاً أخيه الأصغر فهد ، الذي ربته والدة الملك سعود وضحى بعد وفاة أمه وهي من آل الدخيل (12) ، وقد سُميت هذه السنة " بعام الرحمة " لكثرة أعداد الموتى الذين توفوا بسبب المرض ، وأحدثت وفاته حزناً كبيراً لوالده الملك عبد العزيز وأمه وشقيقه سعود والعائلة ، وقيل أنه قل ما شوهد الملك عبد العزيز دون عينٍ دامعة عند ذكر اسم ابنه الأكبر.


الملك سعود: طفولته، نشأته ، وتربيته ، ومشاركته في هذه الفترة في المعارك
(1319–1334هـ / 1902–1915م) :
ولد الملك سعود وتربى في الكويت في منزل جده الإمام عبد الرحمن بن فيصل ، وجدته سارة بنت أحمد السديري التي كانت تحبه كثيراً وترى في أحفادها ابنها الغائب عبد العزيز والذي كان يواجه المخاطر ويخوض غمار المعارك لاستعادة أمجاد آبائه وتوحيد البلاد ، وكان لقرب سعود وأخيه تركي من جدهما وجدتهما في طفولتهما أكبر الأثر في تربيتهما ، وكما يروي كبار السن من ذوي القرب أن جدتهما كانت تعاملهما من سن مبكرة كرجلين لا كأطفال .
وعندما استرد الملك عبد العزيز الرياض طلب من والده وعائلته الحضور إليها عام 1319هـ/ 1902م ولم يتم العثور على أية دلائل وإثباتات تشير إلى ظروف وتاريخ التحاق تركي وسعود بوالدهما وجدهما في الرياض ، ولكن الروايات المسموعة من بعض أفراد أسرة آل الصباح ذكرت أن مغادرتهما إلى الرياض كانت عام 1323هـ/ 1905م بمعية جدهما عند عودته من زيارةٍ لمقابلة والي البصرة العثماني في الكويت .
وحين بلوغ سعود سن الخامسة سلمه والده عبد العزيز إلى الشيخ عبد الرحمن بن مفيريج ، وهو أكبر مقرئ ومجود للقرآن الكريم في ذلك الحين ، كما كانت له مدرسة تعرف بمدرسة المفيريج وهي أكبر مدرسة في مدينة الرياض لتعليم القرآن(13) ، ليفقهه في الدين والفقه والحديث والتفسير ، وخَتَمَ القرآن على يديه وهو في الحادية عشر من عمره .
جعله والده يحضر مجالسه ومجالس جده الإمام عبدالرحمن مع أخيه تركي، وأولاهما كل الرعاية والحنان ، وعندما كبر الابن سعود بدأ يكسب ثقة والده ، وبدأ في ممارسة بعض المهام العسكرية والسياسية والإدارية بصفة مستقلة ، وفوض له الملك عبدالعزيز المهام التي تكسبه الحنكة في السياسة الخارجية ، بعد أن تتلمذ في العلوم السياسية والدبلوماسية على يدي عبد الله الدملوجي والشيخ حافظ وهبه ، وهما من أبرز العاملين مع والده خلال تلك الفترة.(14)
كما أن ملازمة سعود لوالده وجده أكسبته عادات وتقاليد القبائل والبادية والتعامل معها، وأتقن الرماية والقنص والفروسية ، وقد كان ميالاً لحياة البادية من سنٍ مبكرة ، ورافــق والده وغيره من كبار القادة في الغزوات وشهد فنون المعارك والتخطيط لها حتى أصبح في وقت يسير من كبار أعوان والده الملك عبد العزيز في ظروف سياسية هامة كان الملك عبد العزيز بأشد الحاجة إلى أمثاله فيها .
وتَذْكُرُ العديد من المصادر – العائلية والمحلية والأجنبية بما فيها الدبلوماسية – بأن الملك سعود عندما شب كان من أشبه الناس بوالده في طوله وبنيته وبسمته والعديد من سجاياه ومزاياه الحميدة ، واستقامته وشهامته ، إضافة إلى كرمه المشهور وحب الصدق، كما كان ميالاً للعفو، إلا أنه كان حازماً وشديداً في مواضع الشدة ، وكان قوي البنية قليل الكلام ، ينصت لمحدثيه أكثر مما يتكلم .
كان الملك عبد العزيز – يرحمه الله – يختبر مقدرات سعود على الصبر والاحتمال وينمي قدراته القيادية وسياسة التعامل مع القبائل ، ومعرفة أنسابهم ، وكان لذلك أكبر الأثر في كسبثقتهم وقبول قيادته وتوجيهاته لهم ، وكانت من عادة الملك عبد العزيز أن يصطحب أولاده ابتداءً بتركي وسعود في غزواته عند بلوغهم السن المناسب في تقديره.
وأول معركة شارك فيها سعود مع أخيه تركي هي معركة جراب والتي كانت على مقربة من الزلفي ضد أمير حائل متعب بن رشيد الذي نزل معتدياً عام 1333هـ /1915م ، وكان عمر سعود آنذاك 13عاماً ، ولم نتمكن من العثور على معلومات إضافية تفيد عن دوره في هذه المعركة، سوى أنه عندما عاد الملك عبد العزيز إلى القصيـــم، أمر ولديه بالعودة إلى الرياض مع أخيهم محمد، ( ولد عام1328هـ/1910م(15). ولقد اشتهرت هذه المعركة بسبب مقتل الكابتن شيكسبير ( الممثل السياسي البريطاني في الكويت ) والذي كان من مؤيدي الملك عبدالعزيز ، وتربطه به صداقــــة ، ووقعت معركـــة جراب بعد استعـــادة الملك عبد العزيـــز للأحســــاء في عـام 1333هـ/1914م .
وقد كان تواجد الكابتن شيكسبير في معركة جراب بسبب قدومه لزيارة الملك عبدالعزيز ، والتفاوض معه على شروط معاهدة بين بريطانيا وإمارته . واقترح الملك عبدالعزيز عليه البقاء في الزلفي حتى انتهاء المعركة ، ولكن شكسبير قرر المشاركة، ولقد انتهت المعركة دون نصر لأحد ، وكان هدف الملك عبد العزيز في توقيع المعاهدة مع بريطانيا حصوله على الحصانة من الاعتداءات المتكررة من الدولة العثمانية وممثليها، والحصول على المساعدة المالية والحربية لمواجهة آل رشيد ، إلا أن مقتل شكسبير أجّل توقيع المعاهدة إلى أواخر عام 1334هـ /1915م أي لمدة تقارب السنة ، وبعد المعاهدة تسلم الملك عبد العزيز من السلطات البريطانية مساعدة قدرها عشرون آلف جنيه إسترليني و ألف بندقية مع كمية من الرصاص ، وسُمح له بتسهيل استيراد كميات إضافية عند الضرورة عَبْر البحرين (16).
كانت معركة جراب نقطة حاسمة في حياة سعود ، حيث رأى عن قرب – ولأول مرة – كيف تدار المعارك الحربية ، وكيف تتم المفاوضات وتبرم الاتفاقيات السياسية ، وتقديراً من الملك عبد العزيز لما شاهده في ابنه سعود من جلد وصبر وقوة تحمل وجرأة – إضافة إلى الاستعداد والقابلية لاستيعاب دروس الحرب والتجاوب معها في تلك السن المبكرة ، بدأ – يرحمه الله – في الاعتماد عليه شيئاً فشيئاً ، وجعله ملازماً له في مهماته وحمّله بعض المسؤوليات بهدف تعليمه ، وإضافة خبراته في العديد من المجالات التي تعد ضرورية لشاب في وضعه ، كمرافقته له في غزوة أبو ليلى على مقربة من الأحساء ضد شيوخ بني هاجر. (17)
توالت الأحداث والحروب مع قبائل العجمان بما فيها معركة كنزان التي قتل فيها سعد بن عبدالرحمن وجُرح فيها الملك عبدالعزيز ، كما توترت العلاقة بين الملك عبدالعزيز والشيخ مبارك الصباح ( الذي توفي في 1334هـ / 1915م ) وتولى مكان الشيخ مبارك ابنه جابر الذي كان يكن لعبدالعزيز شيء من المودة ، إلا أنه توفي بعد سنة من تسلمه الحكم، واستلم الحكم بعده أخوه سالم مبارك الصباح والذي لم يتراجع عن تشهير مشاعره السلبية وممارسة سياسة مضادة تجاه عبدالعزيز ، فأصبح الملك عبدالعزيز يواجه الأخطار من جميع الجهات ، فبالإضافة إلى حاكم الكويت الجديد كان هناك ابن رشيد من الشمال ، والأشراف من الغرب وبعض القبائل المحيطة، وكان الإحساس بالخطر أهم عامل جعل عبدالعزيز يبادر بالتفاهم مع دولة عظمى لها علاقة بالقوى المحيطة بها وتشكل خطراً أيضاً عليه هي بريطانيا.

زيارة سعود لقطر ممثلاً والده في مهمة سياسية (1333هـ / 1915م):
بعد إحساس الملك عبد العزيز بالمخاطر المحيطة به وإحاطة أبنائه له كمساندين أوفد في العام ذاته ابنه سعود إلى أمير قطر الجديد عبد الله بن قاسم بن ثاني ، والذي استلم الحكم بعد وفاة أبيه ، الذي لم يرى بعين من الرضى استعادة عبد العزيز للأحساء. وكانت هذه الزيارة لتصفية الخواطر، ورحب الشيخ عبد الله بن ثاني بزيارة سعود على رأس وفد ممثلاً والده ، ونجح الوفد في تأدية الغرض الذي أرسل من أجله، ولقد كانت رئاسة الوفد أول مهمة " دبلوماسية " فوضها الملك عبد العزيز لابنه سعود لتأكيد العلاقة مع حاكم قطر الجديد ، وكان من أهم أهداف هذه الزيارة أيضاً المصالحة مع سلمان بن محمد بن سعود بن فيصل ، (ابن عم الملك عبد العزيز) والمقيم في قطر بعد مشاركته العجمان في حربهم ضد الملك عبد العزيز .(18)

ظهور سعود في حملات والده العسكرية (1336هـ / 1917م):
كان من الواضح لعبد العزيز ازدياد سياسات المنطقة تعقيداً خاصةً عندما قررت الدولة العثمانية الانضمام إلى صف ألمانيا في الحرب العالمية الأولى ، ومن ثم محاولة بريطانيا إدخال العرب بجانبها مع الحلفاء منذ توقيع الاتفاقية السابقة مع عبد العزيز ، فبعثت حكومة الهند (البريطانية) المستر فيلبي والكولونيل أوين لتقييم الوضع ، والتفاوض مع الملك عبد العزيز ، والمصالحة بينه وبين الشريف حسين عام 1336هـ –1917م)(19) .
وما أن تيسر لعبدالعزيز فرصة الهجوم من خلال طلبه المساعدة من بعض العناصر المتمردة على ابن رشيد تقدم إلى حائل ، واستطاع أن يصل إلى مشارفها ، ولكنه لم يبق طويلاً أمامها نظراً لعدم تواجد المدفعية الملائمة لديه لدك حصونها ، وكان ذلك في أواخر سنة 1336هـ / أغسطس 1918م ، وكان من ضمن هذه العمليات معركة ياطب ( وسميت نسبة إلى عين ماء وقع القتال بجوارها ). وأظهر فيها سعود – الذي شارك فيها مع أخيه تركي – شجاعة فائقة رغم صغر سنه.(20)
وعندما وصلت أخبار انتصار الحلفاء والعرب في فلسطين وسوريا على الدولة العثمانية اضطر ابن رشيد لإبرام صلح لم يدم طويلاً مع الملك عبد العزيز . وخلال هذه الفترة توفي تركي بن عبد العزيز وعليه أصبحت مسؤولية الابن الأكبر تقع على عاتق سعود (21).

تفويض سعود في قيادة الجيوش وحسن إدارته لشؤون القبائل (1337–1343هـ / 1918–1924م):
إن نشأة وتربية وتدريب سعود سياسياً – فيما سبق ذكره وما سيذكر لاحقاً – تُمثل جزء من تاريخ والده عبد العزيز ،والذي كان يهتـــم بها ويشــرف عليها بنفســـه، فكان يطلعه على مجريات الأحداث المعقدة والمتعددة الأطراف ، والتي تمكن والده بحنكته وقدرته بالتغلب عليها، وفي الوقت نفسه تأكد عبد العزيز من قدرات ابنه سعود الحربية ودبلوماسيته مع القبائـــل ، فولاه قيــــادة جيش مستقل – للمرة الأولى – بعد وقعة تربه عام 1337هـ /1918م ،والتي كانت ضد قوات الأشراف .
أثبت سعود قيادته الحربية ، وبرزت مواهبه العسكرية وهو في السادسة عشر من عمره، عازماً على بداية مرحلة جديدة من حياته يثِّبتُ فيها قدراته لوالده ، وأنه أهلُُ لثقته وجدير بالمسؤوليات الملقاة على عاتقه ، ومما يزيد من أهمية وقعة تربة كونها فتحت الطريق لعبد العزيز إلى الحجاز .
وعن دور سعود في هذه الأحداث – وبعد وقعة تربة– قام بتأديب المتمردين من قبائل عتيبة تحت زعامة الخراص من مشايخ عتيبة الموالين لشريف مكة الملك حسين بن علي ، وذلك في مكان يسمى شرمة قرب مناهل الدفينة ، ورافقه في هذه الغزوة ابن ربيعان وابن محيا وآخرون من كبار قبيلة عتيبة ، كما رافقه الشريف منصور بن غالب بن لؤي ، والأميران سلمان وسعود بن عبدالله من آل سعود،وانتصر سعود عليهم في موقع مناهل الدفينة في أواخر رمضان عام 1338هـ/1919م، وبعد تشتتهم لاحقهم للمرة الثانية بين الحجاز ونجد وأسر الكثير من زعمائهم قبل العودة إلى الرياض ، وقد سبقته أخبار انتصاراته . (22)
وخلال تلك الفترة بدأت الأحداث تتطور سريعاً ، ومن أهمها عزم بريطانيا عقد مؤتمر في القاهرة برئاسة المستر تشرشل وزير المستعمرات والمسؤول عن هذه الأمور ، وتم في المؤتمر وضع تصور للشكل المستقبلي والسياسي للشرق الأوسط ، مع رسم الخطط التنفيذية لتحقيقه ، ومن ضمن قراراتها التي أزعجت الملك عبد العزيز سياسياً القرار الخاص بتنصيب الشريف فيصل بن الحسين ملكاً على العراق .
ولكي يكون عبد العزيز متزامناً مع التطورات والأحداث – بعد علمه بأهداف المؤتمر– قام بعقد مؤتمرٍ عامٍ في الرياض دعى إليه العلماء والأعيان ورؤساء العشائر للنظر في أمر اللقب الرسمي الذي يجب عليه أن يلقب نفسه به ويخُاَطَبُ به في المحافل الدولية ، فوقع اختيار الجميع بأن يطلق عليه " سلطان نجد" . وعندَما علمت السلطات البريطانية في العراق بذلك ، أتتهُ التهاني الرسمية والاعتراف بلقبه الجديد ، وذلك بتاريخ 22/12/1339هـ / 2/8/1921م، ومنذ تلك اللحظة أصبح الملك عبدالعزيز يخاطب رسمياً بلقب " سلطان نجد" .
وبعد إقامة مؤتمر القاهرة وإعلان نتائجه ، ومنح تاج العراق للشريف فيصل ، وإمارة ما وراء الأردن ( شرق الأردن ) لأخيه الأكبر الشريف عبدالله ، شعر عبد العزيز بالخطر وهو يحدق به من جهات متعددة ، فقرر تقوية مركزه في الداخل ، والقضاء على إمارة آل رشيد ، فشرع في إعداد العدة ، ولم تطل المدة حتى وجد المبررات لشن هجومه على هذه الإمارة بعد نقض الصلح معها .
وعند إتمام وضع التخطيط اللازم وبدء العمليات بعث عبدالعزيز بابنه سعود على رأس قوة كبيرة من الإخوان إلى الشعيبة ، جنوب جبل ( أجا ) في جبال شمر ، فهجم على آل رشيد وكسب مغانم كثيرة ، ولكنه وجد صعوبة في المزيد من التقدم إلى حائل بسبب جفاف المنطقة الشديد في تلك السنة ، ثم أمر الملك عبد العزيز بإرسال سرية إلى قرب بقيق، بينما تقدم بنفسه إلى الأجفر ، ولكن بما أنه لم يحدث هناك قتالُُ انسحبت القوات عائدةً إلى الرياض عام 1338هـ /1919م (23) .
لم يتوقف السلطان عبد العزيز عن إعداد المزيد من العدة والتخطيط والاستعداد لاستعادة حائل ، ففي صيف 1340هـ/ 1921م– وبرفقة ما يقارب عشرة آلاف مقاتل – رسم خطة لتطويق شمر من ثلاثة جهات ، وسلم قيادة إحدى الفرق لأخيه محمد لمحاصرة حائل ، والثانية لولده سعود لمهاجمة شمر عبر الخط المباشر ، بينما احتفظ بالفرقة الثالثة تحت إمرته في القصيم كقوة احتياطية ، وكانت ثقة عبد العزيز حينذاك بقدرة ابنه سعود على تحمل الأعباء وحده لا يرقى لها الشك ، وبدأ سعود ومن معه من الإخوان في مهاجمة بادية شمر ، ونزل معهم قرية الخاصرة شرقي حائل ، وانتصر عليهم وجمع منهم أموالاً جمه ، بينما توجه عمه محمد إلى أطراف حائل ، في الوقت الذي كُلف فيه شيخ قبيلة مطير فيصل الدويش بالقيام بهجوم تضليلي من جهة الجنوب. وعندما بدأت العمليات قرر الملك عبد العزيز استدعاء أخيه محمد ، وتسليم القيادة العليا لسعود ، واستمر حصار حائل ومضايقة الخناق عليها لمدة شهرين ولم تخف شدته، وعندما لاحظ عبدالله بن متعب رشيد ذلك فكر في المصالحة وقرر الاستسلام لمعسكر سعود ، خاصة وأنه عرف عنه الشهامة والمروءة وكرم الأخلاق ، ورحب سعود بذلك ، واستقبله بالتقدير الذي يتلاءم مع وضعه كحاكم وضيف، وقرر مرافقته شخصياً لتقديمه لأبيه ، وترك ذلك أبلغ الأثر في نفس ابن رشيد ، وشعر بالراحة هو والآخرين الراغبين بالمصالحة والسلم خوفاً من إراقة المزيد من الدماء وصعوبة العيش(24) .
رأى الملك عبد العزيز في ابنه سعود أيضاً سمات فن التعامل مع الناس ، ودماثة الخلق ، والتي مكنته من كسب ألد أعدائه كأصدقاء مخلصين له كما فعل مع ابن رشيد، مما جعله يستعين به طوال حياته – فيما بعد – في معالجة أصعب الأمور خاصة منها ما يخص شؤون القبائل ، وبالرغم من رغبة أميرهم بالمصالحة وإقدامه على تسليم نفسه لسعود إلا أن البعض من قبائل شمر لم ترض بخطوة أميرها عبدالله بن متعب رشيد فاختارت لها أميراً آخر وهو محمد طلال بن رشيد للتصدي لقوات عبد العزيز ، عندها أمر الملك عبد العزيز أن يعود سعود إلى حائل لقيادة الجيش فيها ، والتصدي للمتمردين، كذلك عندما أشتد القتال بين قوة آل رشيد مع قوات فيصل الدويش ، أمر عبد العزيز سعود بمساندة قوات الدويش ، فقام بذلك حتى تحقق لهذه القوة النصر وتقهقر محمد طلال بن رشيد إلى حائل ، هذا في الوقت الذي واصلت فيه القوات السعودية الضغط عبر الهجوم من الشمال والشمال الشرقي تحت قيادة الملك عبدالعزيز، بينما بقيت القوات التي يقودها سعود على مشارف جبل أجا. وعندما لم يجد طلال بُداً من الاستسلام ، قرر قبول الأمر الواقع . وقيل أنه عندما قام المستسلمون بالسلام على الملك عبد العزيز ، وجههم الملك لخيمة ابنه سعود أيضاً لأداء نفس الواجب،ولقد تلت نهاية هذه العمليات الاستيلاء على الجوف أيضاً (25).
إن الدور الكبير الذي قام به سعود في استسلام حائل رفع مكانته عند والده ، خاصة وأنه رأى فيه العديد من سماته الشخصية وهو في مثل سنه .
وبعد تلك الأحداث – والتي انتهت باستسلام عاصمة ابن رشيد – تزوج الملك عبدالعزيز من أرملة ابن رشيد ، وتبنى أولادها واقترن سعود بزوجة من آل رشيد، وقد هدف الملك عبدالعزيز من زواجه وزواج ابنه سعود إنهاء النـزاع بين الأسرتين وتصفية الخواطر .

ضم الحجاز واعتماد الملك عبد العزيز على سعود في إدارة شؤون البلاد
(1343–1348هـ / 1924–1929م) :
بعد هذه الأحداث ، أمر الملك عبد العزيز بتوسيع عمليات قواته ، وكان سعود بجواره يساعده في التخطيط ومراقبة التطورات ، والإشراف على تنفيذها فضم الملك عبدالعزيز عسير والطائف ، كما تحقق له – في عام 1343هـ/1924م – أكبر أحلامه وهو ضم قلب العالم الإسلامي النابض وقبلته ومهبط الوحي ومحط أنظار المسلمين مكة المكرمة(26) ، وجاء الملك عبد العزيز للمرة الأولى في حياته محرماً تاركاً ابنه سعود في الرياض لإدارة الحكم ، تحت إشراف جده الإمام عبد الرحمن ، والذي كان موضع احترامه وحبه وتقديره (27) . استمر سعود نائباً لوالده في الرياض حتى دخول الملك عبدالعزيز جدة، بعد ذلك استسلمت المدينة المنورة ، وبعد مبايعته ملكاً على الحجاز أصبح لقبه الرسمي" سلطان نجد وملحقاتها وملك الحجاز " ، وكانت مبايعته مبايعة إسلامية خالصة في الحرم المكي الشريف ، وتم تقليدها في جميع أنحاء البلاد ، حيث أخذ أمراء المناطق المبايعة له نيابة عنه .
وفي صيف 1344هـ /1925م، استأذن سعود والده الملك عبد العزيز في الحج معه، وكانت هذه حجته الأولى، وقد كانت من العادات المتبعة في موسم الحج أن يأتي المحمل الشريف من مصر مُرافقاً بعسكر وفرقة موسيقية عسكرية مصرية ، وعندما دخل الموكب مكة المكرمة ، عارضه مجموعة من الحجاج "الإخوان " ، وقذفوه بالحجارة محتجين على وجود الفرقة الموسيقية وبدلاً من الاستعانة بالحلم فتح الضابط المصري النار عليهم ، وأسفر ذلك عن وقوع قتلى وجرحى،وعلم الملك عبدالعزيز بذلك ، ففوض ابنيه سعوداً وفيصلاً على الفور لتهدئة الوضع قبل أن يتفاقم الأمر، واستطاع سعود وفيصل احتواء الموقف بعد أن عرّضا نفسها للرصاص (28) ، أخذت مصر موقفاً من هذا الحادث، وقطعت علاقاتها مع الملك عبد العزيز ، وأوقفت " الميرة " ( وهي المساعدات والصدقات المقررة التي كانت تبعث سنوياً من مصر مع المحمل ) ، واستمر التوتر في العلاقات بين البلدين حتى وفاة الملك فؤاد واعتلاء الملك فاروق على عرش مصر سنة 1355هـ /1935م ، حينها تحسنت العلاقة إلى حدٍ ما.
وبعد عودة سعود إلى الرياض ، أرسله والده إلى مصر لمعالجة عينيه وإجراء عملية جراحية فيهما ، وأعتبر ذلك مبادرة غير رسمية من الملك عبد العزيز لتلطيف الجو وتحسين العلاقات مع مصر بعد حادثة المحمل ، وكانت هذه الزيارة أول رحلة لسعود خارج البلاد وذلك في عام 1344هـ /1925م، وعلى ظهر باخرة مصرية تسمى " المنصورة "، وفي القاهرة اجتمع سعود برئيس الوزراء المصري سعد باشا زغلول ، وكانت نتيجة هذا الاجتماع تحقيق نتائج سياسية إيجابية لتوطيد العلاقات الودية بين السعودية ومصر .(29)
إن اعتماد الملك عبد العزيز على سعود وتعيينه نائباً عاماً له في نجد – مقر الحكم – وهو في الرابعة والعشرين من عمره كان مبنياً على تقديراته السياسية الثاقبة لمؤهلات ابنه. فلم يكن الملك عبد العزيز ليعين ابنه نائباً له لمجرد حبه له ، بل لأنه اقتنع أن سعود أهل لتحمل هذه المسؤولية الكبيرة .

أزمــة الإخــوان :
إن من أهم وأخطر الأدوار التي لعبها سعود بجانب والده في تعزيز جذور ودعائم الدولة السعودية هي مساهمته البارزة في معالجة المشاكل التي اعترضت أبيه تجاه نشاط بعض الإخوان المبني على اعتقادات خاطئة ومطالب غير منطقية .
وسبق أن حاول الملك عبدالعزيز أن يجعل من الإخوان بصفة عامة مجموعة صالحة لتنسجم مع تطلعاته الحضارية ؛ فأسس لهم ( الهجر ) لاستقرارهم وترك حياة البادية القاسية (1330هـ/ 1912م ، والابتعاد عن بعض التقاليد السلبية ، إلا أن بعض عناصرهم كانت تكن بعض التحفظات على هذه التطورات لسوء الفهم.
وبعد انضمام الحجاز بدأ بعض الإخوان في التمرد ومهاجمة الحدود مع العراق والكويت حتى أن الحكومة البريطانية اعتقدت بأن عبدالعزيز وراء هذه الحملات على جيرانه 0(30).
عاد عبدالعزيز إلى نجد آتيا من الحجاز ، وقد سبقه إليها والده الإمام عبدالرحمن وابنه سعود. ( الموكلان بإدارة نجد أثناء غياب الملك عنها ) ودعوة رؤساء القبائل والعلماء إلى الاجتماع بالملك في الرياض لحل هذه الأزمة ، عبر الحوار الصريح في ضوء الشريعــة وتعاليم الدين. فعقــــدت مجموعة الإخوان اجتماعــــاً خاصاً بها في الأرطاوية – وهي من أكبر الهجر للإخوان – وصممت على التمسك بموقفها تجاه عبدالعزيز ، ورفض فيصل الدويش وبعض زعماء هذه الحركة الحضور شخصياً للاجتماع بالملك عبدالعزيز ، وأوفدوا ببعض الممثلين لإطلاع الحضور على انتقاداتهم وشكاويهم .
وانتهى الاجتماع بحل النزاع بين الطرفين ، وقدم سعود إلى والده ممثلي الحضور من رؤساء القبائل لمبايعته مرة ثانية.
وبالرغم من هذه المصالحة الظاهرة فإن قلوب بعض زعمائهم استمرت على ما كانت عليه من الاعتقادات السلبية كما هو ظاهر من الرسائل التي تبادلها بينهم وبين الأمير سعود .(31)
ولقد لعب سعود دوراً مهماً في هذه الأزمة بحكم مركزه الإداري بنجد ، وغياب والده عنها أثناء إقامته في الحجاز لفترة طويلة دامتسنتين ، فكان في الواجهة خلال معظم هذه الأحداث والتطورات ، والمتحدث الأول في أكثر هذه المحادثات ، وكان لثقة القبائل بشخصيته المستقيمة الصادقة ، وتعامله معهم ومعالجته لأمورهم بالتفهم والحزم دوراً إيجابياً كبيراً خلال هذه الأزمة .
تابع الإخوان بعد المؤتمر غزواتهم خارج الحدود وداخلها ، فقرر الملك عبد العزيز مجابهتهم وردعهم بعد أن نَفَذَتْ كل الأساليب السلمية في التعامل معهم، فأعد جيشاً وتقدم من الرياض إلى بريده مكملاً طريقه إلى النبقية ، منتظراً وصول ولديه سعود ومحمد، وكان الإخوان يعلمون بخطة وتحركات عبد العزيز ، وخططوا بمفاجأة سعود قبل خروجه لملاقاة والده ، وقتله وعائلته في الرياض، ولكن لسبب غير واضح لم تنفذ الخطة (32)، وعند وصول سعود ومحمد إلى معسكر والدهم ، أمرهم بالتقدم إلى الزلفي، ثم إلى السبله لمواجهة الإخوان ، وهناك وبعد اجتماع بين الملك عبد العزيز والدويش، ومشاورات مطولة غير مثمرة تواجه الجيشان في 1347هـ/ 29/3/1929م وانهزم الإخوان واضطروا إلى التراجع أمام زحف قوات أبناء عبد العزيز سعود ومحمد ، وانتهت المعركة بهزيمتهم الكاملة خلال نصف ساعة، ومن بعدها لجأ فيصل بن شبلان ابن عم فيصل الدويش لسعود ودخل خيمته طالباً العفو والأمان والتشفع لدى الملك عبد العزيز ، الذي عفا عنه وعن فيصل الدويش الذي أصيب إصابة بالغة (33) . ولكن هذه الإصابة لم تخمد فتنة الإخوان التي تأججت من جديد أثناء وجود الملك عبدالعزيز في الحجاز . عاد الملك عبد العزيز وجهز جيشاً جديداً لملاقاتهم ، وزحف عليهم من مكة . وبدأ سعود يجمع جيشاً من أهالي الرياض لملاقاة والده في الأحساء ، الذي أمره أن يتخذها قاعدة له ليمنع الإخوان من الهجوم عليها ، وذلك لمرض عبدالله بن جلوي أمير الهفوف بعد سماعه بوفاة ابنه فهد في أحداث معركة عونية كنهر، وفي طريقه إلى الأحساء فاجأ العجمانُ سعودَ في صحراء الدهناء ، وقتلوا كثيراً من مرافقيه ، ولكن تمكن سعود من الإفلات منهم لوجود سيارة والده المصفحة تحت تصرفه ، وتابع سيره إلى الهفوف منفذاً لأوامر والده ، حيث بقي عدة أشهر تسلم فيها مسؤوليات جسام ، حتى أتته الأوامر بالرجوع إلى الرياض ، وذلك بعد انتهاء حركة تمرد الإخوان واستسلام الدويش وحبسه في الرياض(34) .

تأسيس المملكة العربية السعودية وولاية العهد :
وبانتهاء حركة الإخوان والقضاء على مقاومتهم ، قرر الملك عبد العزيز التحضير لإعطاء صفة شرعية لبلاده وحكمه، فبدأ بتوحيد اسم البلاد تحت اسم "المملكة العربية السعودية "لكل الأجزاء التي وحدها وإعلان ذلك في 17جمادى الأولى عام 1351هـ / أيلول 1932م ) ، ثم تبع هذه الخطوة الموافقة على قرار مجلس الشورى والوكلاء بولاية العهد لابنه سعود بعد أن أثبتت الأحداث دوره القيادي فيها ، ومعالجته الحكيمة والشُجَاعة للأحداث ، فأصبح جديراً بأن يكون خليفتهالرسمي لاستلام زمام الأمر من يديه عند اللزوم ، ومواصلة جهاده وكفاحه لتحقيق وحدة صف الأمة والنهوض بها على المنهج والخطة التي رسمها، فرشحه لولاية العهد ، وتم الإقرار عليها بالإجماع من أفراد العائلة والمشائخ والعلماء وأبناء الشعب ، ونَشَرَتْ أم القرى – في 25/5/1931م– مقالاً عن الاستعدادات التي بدأت لإتمام مراسم البيعة للأمير سعود ، والدور البارز الذي قام به الأمير محمد بن عبد الرحمن في الإعداد لهذه المراسم، تلاها إصدار الملك عبد العزيز – رحمه الله – مرسوماً ملكياً من مجلس الشورى بجده بمبايعة الأمير سعود ولياً للعهد ، وذلك في16محرم 1352هـ، وطلب من جميع أفراد الأسرة وأعيان مناطق المملكة وشيوخ القبائل بمبايعة الأمير سعود ولياً للعهد، وكان الأمير سعود حينذاك في الرياض ، وتمت المبايعة في مكة في الحرم الشريف(35) .
إن المسؤولية الجديدة على عاتق الأمير سعود كولي للعهد والتي حملها لمدة 20 عاماً حدثت في وقت تزامنت فيه مرحلة توحيد المملكة وبداية مرحلة جديدة تأسيسية واقتصادية واجتماعية ، خاصة بظهور النفط في عام 1351هـ /1932م ، و اعتماد المملكة عليه في اقتصادها الذي كان يمر في فترة صعبة ، حيث كانت الموارد شحيحة ، وتعتمد على المساعدات الخارجية وموارد الحج ، فكانت النقلة الجديدة قد مكنت الدولة البدء في التنظيمات الإدارية والمالية ، والتحول التدريجي من دولة قبلية إلى دولة حضرية، مما فرض واقعاً جديداً على سكان الجزيرة ، ويعد هذا التحول أصعب المراحل التي طرأت على المجتمع والدولة السعودية ، فتحمل أعباءها الأمير سعود وأدى دوراً مهماً فيها تحت إشراف والده .

حرب اليمــن :
واجهت الملك عبد العزيز مشاكل في العلاقات الخارجية وبرزت مشاكل جديدة ، وهي قضية الحدود مع اليمن ، التي لم تكن قد حُدِدت من جانب البلدين ، مما أدى إلى قيام الإمام اليمني يحيى من التوغل في الأراضي السعودية، وفي عام 1352هـ/ 1934م أرسل الملك عبدالعزيز حملتين قاد أحدهما الأمير سعود الذي خطط للهجوم على نجران ، والزحف متسللاً عبر الجبال الوعرة في الشمال الغربي من اليمن ، والأخرى باتجاه الحديدة سالكة الطريق الساحلي.
لقد أخذ الأمير سعود في حملته الطريق الصعب ، حيث عرفت هذه الجبال بصعوبة الوصول إليها وتسلقها وتجاوزها ، كما لم يكن لدى الجيش فكرة وافيه عن تضاريسها، وكانت تُلَقب بجبال القهر. وجرى العبور بين موقع وآخر في كثير من الأحيان عبر التسلق بالحبال (36) .
وقلّت الإمدادات لصعوبة الوصول لهم فشحت مواردهم من الغذاء ،خاصة بعد هجوم اليمنيين على مخيمات الأمير سعود، وسرقة المؤن منه وإحراق خيامهم حتى وصــل الأمر بهم إلى أكل " الحدأة " (وهي من الطيــور التي تحلق فوق الجيفـــة فلا تؤكــل)(37) .
وكانت القبائل اليمنية مدركة بمداخل ومخارج وتضاريس الجبال، وأصبحت غاراتها تزداد يوماً بعد يوم ، بينما كان الأمير سعود وجنوده معتادين على حروب الصحراء وفنونها التي تختلف تماماً عن حرب الجبال .
وفي هذه الحملة قسم سعود جيشه إلى أربعة فرق : الأولى بقيادة فيصل بن سعد بن عبدالرحمن ووجهه إلى باقم، والثانية بقيادة خالد بن محمد بن عبد الرحمن الذي كان عليه أن يتقدم بين نجران يساراً وباقم يميناً ليصل إلى حدود صعده، والثالثة تحت قيادته ويتقدم من الجهات الواقعة شرق المنطقة التي يسير فيها القسم الأول على أن يتجهوا جميعاً للجبهة (38) ، أما القسم الرابع من الجيش فقد استولى على بعض أجزاء نجران بمساعدة أهلها ثم أرسل سعود قوة للاستيلاء على عقبة ، عند ذلك تراجعت بعض القوات اليمنية المتبقية باتجاه بلاد وائله ، وتعقبتها القوات السعودية لإخراجها من المنطقة . (39)
ولقد انتصر ولي العهد الأمير سعود على اليمنيين في موقعة حرض ، وتوغل وراءهم حتى اقترب من غمدان ، كما سيطر على المنطقة الواقعة بين صعدة ونجران ، بالرغم من أن صعدة لا يصلها إلا القليل من الناس حتى يومنا هذا لصعوبة مداخلها، كما أن أهل هذه المناطق هم من قبائل زيدية وهم رجال حرب ، ويقال: إنهم من أشرس المقاتلين اليمنيين إلى يومنا هذا ، وإضافة إلى هذا فلقد واجهت هذه القوة والتي كانت أساس الحملة على اليمن مقاومة الجيش والقبائل اليمنية الرئيسية .
كما أن تواجد الأمير سعود ( القائد العام لهذه الحملة ) جذب لمواجهته أعداداً كبيرة من القبائل وأقوى فصائل المقاتلين اليمنيين، وكان من أكبر فوائد هذه الاستراتيجية اجتذاب القوى الرئيسية من الجيش اليمني ، وبالتالي تسهيل مهمة القوة السعودية الأخرى الزاحفة على امتداد الطريق الساحلي والمجهزة بسيارات وناقلات ، والتي لم تواجه مقاومة تذكر إلى أن وصلت إلى الحديده (40) ، وانتهت هذه الحرب بانعقاد معاهدة الطائف في عام1353هـ /1934م .
تنوه المصادر البريطانية السرية بأن هذا الحدث قد ساهم في لفت أنظار العالم إلى ولي العهد الأمير سعود. (41)

محاولة اغتيال الملك عبد العزيز :
بعد هذا الاتفاق بسنة – وخلال الحج– تعرض الملك عبد العزيز لمحاولة اغتيال قام بها أربعة يمنيين بينما هو يطوف طواف الإفاضة في 10 ذو الحجة 1353هـ/ 16ديسمبر1935م ، وكان ابنه سعود خلفه في ذلك الوقت ، وقام بافتداء نفسه لإنقاذ حياة أبيه، وعرّض نفسه للموت بدلاً عنه، وتعد هذه التضحية مضرباً للمثل في الحب والتفاني من ابن لأبيه، وقد ذكر شهود العيان بأن سعود قد رمى بنفسه فوق أبيه حمايةً له ، وتلقى الطعنات في كتفه وظهره.

رحلات الأمير سعود الرسمية وغير الرسمية إلى دول عربية وأجنبية :
( 1354–1358هـ / 1935–1939م ):
عند تعيين الأمير سعود ولياً للعهد – وبعد نجاح زيارته لمصر – رأى الملك عبدالعزيز إعطاء ابنه سعود الفرصة للسفر إلى الخارج ، والتعرف على أحوال الدول الصديقة التي تتعامل معه، إلا أن حرب اليمن قد حالت دون تحقيق هذه الرغبة في حينها، وبعد نتائج حرب اليمن – والدور الذي لعبه سعود فيها ، ومن ثم قراره بعد حادثة الحرم بتزويد سعود بالمزيد من المسؤوليات– شجع الملك عبد العزيز ابنه بالسفر إلى أوروبا ، وتم إعداد برنامج شامل لزيارة العديد من الدول بما فيها إيطاليا وفرنسا وإنجلترا وبعض البلدان العربية (42) ، ‎وبعد انتهاء الرحلة الأوروبية، واصل الأمير سعود رحلته إلى العالم العربي عبر الإسكندرية متوجهاً إلى القدس وشرق الأردن وذلك في عام 1354هـ/ مايو 1935م، والتي عاد منها في آب من تلك السنة إلى جده، وكان يرافقه في هذه الرحلة وفد يضم فؤاد حمزة ، والدكتور مدحت شيخ الأرض، أما رحلته إلى الأردن فقد كانت في إطار رغبة والده المعلنة بتوطيد العلاقات مع الهاشميين، كما عبر عنها الملك عبدالعزيز بعد حادث الاعتداء عليه في مكة . (43)
وكان استقباله في فلسطين استقبالاً حافلاً حيث صلى في المسجد الأقصى الشريف والمسجد الإبراهيمي في الخليل (44) ، ويعتبر أول أمير سعودي يذهب إلى القدس ، ورافقه في هذه الزيارة فهد بن كريديس ، وصالح العلي ، وخير الدين الزركلي ، إضافة إلى فؤاد حمزة ، ومجموعة من المسؤولين في الحجاز .
تذكر المصادر البريطانية السرية بأن رحلته إلى أوروبا تكللت بنجاح كبير بفضل أخلاقه الحميدة وشخصيته(45) ، وقد ذكرت أيضا في تقرير آخر لها بأن دوره في الأردن اتسم بالمثالية وحققت زيارته هدفين : أولهما هو تحسين العلاقات مع البيت الهاشمي،وثانيهما توضيح دور المملكة في مساعدة عرب فلسطين في محنتهم . (46)
وفي وقت لاحق وقّعَت المملكة العربية السعودية في 1354هـ / 2 إبريل 1936م "معاهدة أخوة عربية وتحالف" مع العراق التي فتحت مجالاً لتقوية العلاقات الدبلوماسية، وإنشاء علاقات عسكرية كما شجعت على انضمام دول عربية أخرى للانضمام إليها ، وقد سبقتها معاهده مماثلة مع اليمن في 1353هـ / 1934م .
ثم في عام 1355هـ / مايو 1936م، ولتعزيز هذا التفاهم – وترجمته إلى واقع عملي ملموس – قام الأمير سعود بدعوة من الملك غازي بزيارة للعراق ، رحب فيها العاهل العراقي بسعود ترحيباً حاراً، وحققت هذه الزيارة نتائج إيجابية في توطيد العلاقات بين البلدين، ثم وقعت المملكة معاهدة أخرى مع مصر اعترفت من خلالها مصر رسمياً بالمملكة العربية السعودية ، وعلى أثرها بدأت الحكومة السعودية بابتعاث طلابها وطياريها إلى مصر للدراسة والتدريب .
وقام ولي العهد السعودي بزيارة البحرين في 13شوال 1356هـ / 15ديسمير 1937م بهدف تحسين العلاقات المتوترة بينها وبين قطر بسبب مسائل الحدود. (47)
وفي عام 1355هـ/ 1937م أوفد الملك عبد العزيز سعود إلى بريطانيا لتمثيله في الاحتفالات الخاصة بتتويج الملك جورج السادس ، وأجتمع خلالها بالعديد من الزعماء العرب والأجانب ، والتي كانت بداية لصداقات متينة مع العديد منهم ، وأستغل تواجده هناك لاستعراض العديد من القضايا الثنائية والعربية ، وتلتها زيارة خاصة أخرى إلى بريطانيا في جمادى الثانية 1357هـ / آب 1938م مع أخيه محمد ، ومكثا لمدة شهر ، وذكرت بعض التعليقات على هذه الزيارة بأنه كان لها أهدافاً سياسية أيضاً (48).
ولقد تلتها زيارات أخرى إلى إمارات الخليج حتى بداية إعلان الحرب العالمية الثانية (1358–1364هـ/1939–1945م)، وتميزت هذه الفترة بالاهتمام العالمي بقضايا الحرب دون سواها .

الحرب العالمية الثانية وقضية فلسطين(1358–1364هـ/ 1945م):
وبصرف النظر عن ما سلف فقد تميزت المراحل الأخيرة للحرب ببعض الأحداث الهامة التي انعكست على قضية فلسطين ، ومن أهمها التقاء الملك عبد العزيز مع الرئيس الأمريكي روزفلت في1364هـ / فبراير 1945م ، وبعد ثلاثة أيام اجتماعه مع ونستن تشرشل رئيس وزراء بريطانيا وكلا اللقاءين عقدا بمصر، وكان أهم نقطة في جدول اللقائين القضية الفلسطينية ، والتي تدل على اهتمام الملك عبد العزيز بهذه القضية وحقوق مواطنيها، وقد نقل عن الرئيس الأمريكي عند نهاية جلسته مع الملك عبارة تدل على عبقرية عبد العزيز حيث قال: " لقد فهمت عن مسألة فلسطين مع اجتماعي بالملك عبد العزيز خلال عشرة دقائق ما لم أتمكن من إدراكه حتى الآن" ، ووعده بأنه لن يتبنى أية خطة أو تصرف يفرط بحقوق الفلسطينيين أو يسيء إليهم.
وبعد الحرب ، انفجرت على مسرح الأحداث أخطر نتائج الجهود الصهيونية في إقامة وطن قومي لهم في أرض فلسطين على حساب مواطنيها الأصليين العرب، ولتداول هذه المسألة الخطيرة عقد ملوك وزعمــــاء العرب مؤتمراً في إنشـــاص بمصر عام 1366هـ/1946م، حيث دعا له الملك فاروق ، وعُقِدَ برئاسته وحضره ولي العهد الأمير سعود ممثلاً لوالده ، واتخذ المؤتمر القرار " بأن القضية الفلسطينية ليست قضية الفلسطينيين فحسب ، بل أنها قضية جميع العرب ، كما ندد بموقف الحكومة البريطانية تجاه هذه المسألة " (49) . وبالطبع فإن زعامة مصر للقضية الفلسطينية بالإضافة إلى مشاكلها العديدة مع الحكومة البريطانية أثناء فترة الحرب أدت إلى المزيد من التوتر في العلاقات بين الدولتين (مصر وبريطانيا )، وحيث أن الملك عبدالعزيز يكن مشاعراً ودية تجاه الدولتين، قام بإرسال سعود في مهمة سرية إلى لندن هدفها تقريب وجهة النظر بينهما . ورغم محاولات الأمير سعود الجدية إلا أن ذلك لم يتم بسبب معاندة الأحزاب المصرية وعلى رأسها حزب الوفد برئاسة النحاس باشا، وذلك في ربيع الأول 1366هـ / فبراير 1947م (50).
بعد وفاة الرئيس روزفلت ووصول الرئيس ترومان للرئاسة شعر العرب بنوايا الرئيس الجديد بنقض الوعود السابقة حول قضية فلسطين ، فبادر الملك عبد العزيز بإرسال ابنه سعود إلى الولايات المتحدة في 20صفر 1366هـ/13 يناير 1947م بدعوة رسمية لتدارس هذا الموضوع .
ومن خلال هذه الزيارة والمفاوضات مع الإدارة الأمريكية والمنظمات التمويلية ، وبالرغم من أن النتائج أعطت خلاف المتوقع لها ، إنما أكسبت الأمير سعود دروساً ساعدته في بلورة أفكاره عن بعض جوانب الشؤون المالية، فلقد عرف عبر اقتراح الإدارة الأمريكية له باستخدام احتياطي بلاده (والمقصود هنا الاحتياطي من النفط وليس الاحتياطي المالي ، حيث أن الدخل آنذاك لم يكن كافياً لتحقيق أهداف والده خلال تلك الفترة) كضمان للحصول على ما يحتاج إليه من تمويل من منظمات مالية تمويلية تجارية، درساً دام معه طوال حياته، مفاده الاعتماد على الذات بتنمية الموارد البشرية والاقتصادية الوطنية من أجل رفع مستوى المملكة والرقي بها ، وتحقيق ما تصبوا إليه الأمة من التقدم والرخاء ، وللعب الدور الطليعي في الإطارين العربي والإسلامي .
وفي طريق عودته من أمريكا، وبأمر برقي من الملك عبد العزيز، توقف الأمير سعود في باريس، حيث التقى بأنتني إيدن وزير الخارجية البريطاني ، لاستعراض القضية الفلسطينية،والتوتر في العلاقات المصرية البريطانية. (51)
وأدى كعادته دوراً فعالاً بصمت وهدوء بعيداً عن ضجة الوسائل الإعلامية ، وبهذا وخلافاً لما يُعتقد بصفة عامة ، ومما سبق يتضح لنا إلمام الأمير سعود بالشؤون الخارجية وثقة والده في مؤهلاته ومداولاته لها ونجاحه فيها .

اعتماد الملك عبد العزيز المتزايد على سعود في إدارة شؤون البلاد( 1357–1373هـ / 1938–1953م):
وعلى الصعيد الداخلي ، كان الأمير سعود يعتقد ويكرر – رحمه الله– بأن من واجباته المقدسة الطواف ببلاده " قرية قرية وقبيلة قبيلة " لكي يطلع على شؤونها شخصياً ، ويتعرف على حاجة المواطنين فيها، ولقد استطاع أن يحقق هذه الرغبة ولأكثر من مرة في مراحل مختلفة من حياته، ولا يتسع المجال هنا للحديث عن هذا الجانب لضخامته وكثرة تفاصيله، فقد كانت رحلاته مثل رحلات والده دائماً مصدر خير وبركة يحقق فيها آمال كل منطقة وقبيلة يزورها .
لقد أدى اعتماد الملك عبد العزيز المتزايد على ولده سعود في إدارة شؤون البلاد تحقيق العديد من الإنجازات في هذه الفترة، وخلال مقابلة مع بولارد، المفوض البريطاني لدى المملكة – في 27/10/1357هـ /19/12/1938م في الرياض ، نوه الملك عبد العزيز بأن سبب عدم إمامته لصلاة عيد الفطر ورئاسة الاحتفالات بمناسبتها وتفويض ولي عهده بتمثيله فيها هذا العام هو كبر سنه ، مبدياً عبر هذه الخطوة رغبته في تفويض نسبة وافية من مهماته كرئيس دولة لبنيه (52) ، ولكن حالت بين هذه النوايا وتنفيذها عملياً أزمة وسنوات الحرب العالمية الثانية.
وبعد نهاية الحرب ، والعالم على مشارف تطورات جسيمة شرع الملك عبد العزيز بتنفيذ ما كان في باله منذ فترة من هذه الرغبات ، بتعزيز مكانة ومنزلة ولي العهد الأمير سعود في أنظار الأهالي كخليفه له ، والرجل الثاني في الدولة دون نزاع .
ولقد اختار الملك عبد العزيز إبداء رغبته هذه لشعبه عبر عدة خطوات تقليدية ، حين كلف الأمير سعود بإمارة الحج في عام1366هـ/ 1947م ، فألقى الأمير سعود الخطبة السنوية المعتادة بعد إنهاء مراسم الحج ، وأشار فيها إلى تقدير والده لمطالب الحجاج وأبناء المنطقة ، كما بشرهم بعزم الدولة في تنفيذ مشروع هام ، وهو إنشاء طريق مسفلت بين جده والمدينة المنورة ، وفي شهر نوفمبر من ذلك العام ، افتتح الأمير سعود مشروع توصيل المياه من وادي فاطمة إلى مدينة جده (53). وفي عام 1369هـ/ 1950م تم الانتهاء من توسعة ميناء جده ، والتي حققت فوائد للتجارة والاقتصاد والحجاج، وفي مجال التعليم والاهتمام به تم تأسيس كلية الشريعة بمكة عام 1369هـ /1950م ، والتي كانت نواة لجامعة أم القرى فيما بعد ، و تم تأسيس كلية المعلمين عام1372هـ /1952م، ومن ثم كلية الشريعة في الرياض عام1373هـ /1953م ، والتي تدل على اهتمام الملك عبد العزيز وابنه سعود بالمعارف وتشجيعها .
وخلال تواجده في الحجاز ، استأذن الأمير سعود والده العودة إلى الرياض بعد انتهاء مراسم الحج، ولكن الملك عبد العزيز طلب منه البقاء في الحجاز لإجراء دراسة عن الوضع الإداري ، وتقديم اقتراحات عن الإصلاحات المطلوبة هناك حتى الانتهاء من مهمته هذه مهما استغرقت من الوقت أو الجهد. (54)

إنجازات الأمير سعود خلال هذه الفترة :
إن موضوع الإصلاحات التي قام بها ولي العهد سعود تحت إشراف والده تتطلب أولاً استعراض مدى الدراية والإلمام بتفهم المشاكل الداخلية التي كانت في حاجة للإصلاح الفوري ، علماً بأنه نتيجة للحرب العالمية الثانية وانعكاساتها العديدة على المجتمع الدولي والمقرونة بالنمو والتطور التكنولوجي ، وبدء الشعوب بصفة عامة بمطالبتها بالتخلّي عن الماضي ، نتيجة لشعارات نقلتها وسائل الإعلام والتي تعبر عن رؤيا جديدة للمستقبل ، حاول الأمير سعود في هذا الجو أن يحقق لبني وطنه ما كان مجدياً منها ومتمشياً مع مصالحهم الحقيقية.
فلقد تلت نهاية الحرب العالمية الثانية أحوال اقتصادية عالمية سيئة كانت لها إنعكاساتها السلبية على الاقتصاد العالمي والأسواق المالية ، وبالطبع فإن المملكة والتي كانت تعتمد أساساً على الدخل من الحجاج والنفط لم تسلم من أثر هذا الكساد والتطورات السلبية وكان تأثيرها في أشده خلال عام1369هـ–1370هـ /1949–1950م. (55)
وخلال عام 1368هـ/1948م قام خبيران ماليان من وزارة المالية الأمريكية وهما السيد أدي والسيد مايكسال بتقديم اقتراح بربط الريال بالدولار الأمريكي لحل بعض هذه الضغوط، ولقد أقرّ سعود بهذه الأزمة في عدة مقابلات مع سفراء وممثلين الدول الصديقة طالباً منهم المشورة لمواجهتها وإيجاد حلول لها ، ورفع هذا الموضوع لوالده الذي وجهه باتخاذ الإجراءات الضرورية ومن ثم إفادته عنها بصفة منتظمة ، وبعد دراسة الوضع مع ذوي الخبرة والمسؤولين المختصين ، وبمشورة ممثلي بعض الدول الصديقة ، تمت الاستفادة من الخبير نجيب صالحه لإجراء إصلاحات تنظيمية في وزارة المالية على أسس حديثة والإشراف عليها، وكان لذلك أثر إيجابي واضح على الوضع المالي . وبعد ذلك استفادت الحكومة من خدمات الخبير المالي الأمريكي الدكتور/ يونغ Dr. Young وتم بمشورته تأسيس مؤسسة ساما ((SAMA مؤسسة النقد العربي السعودي عام 1371هـ/1952م لتلعب دور البنك المركزي وتضبط الأعمال المصرفية، وكان رئيسها الأول خبير أمريكي باسم Mr.Blowers واستفادت الدولة من خدمات أمريكي آخر هو السيد داناواي Dunaway للمساعدة في تنظيم إدارة الجمارك . (56)
وكان ضمن هذه الإصلاحات المالية والعمل بها إصدار ثالث ميزانية للدولة وفقاً للأسس العالمية المتبعة وذلك في عام 1372هـ /1952م . (57)
وفي إطار هذه التطورات والتعاون والتنسيق مع الدول الصديقة وخبرائها أتى الدكتور استراتم الأمريكي كمدير للتعاون الفني ليرأس 35 خبيراً أمريكياً مع نخبة من الموظفين السعوديـــين في إعداد خطط للتعاون الفني والنمو الاقتصادي 1371هـ /1952م. (58)
وبقي الأمير سعود لمدة أربعة أشهر ونصف في الحجاز بناء على التعليمات المبلغة له من والده والتي سبق إيضاحها ، وقام خلالها بإجراء دراسة عامة عن الإصلاحات الإدارية والداخلية للبلاد ابتداءً بالحجاز ، وتضمنت قائمة أَهدافهِ تَسْويَةَ النظم الإدارية والمالية ودراسة الأنظمة المتعلقة بمشاريع حيوية وتنموية، واختصت هذه الدراسة بالمشاريع الخاصة بالحج وتأمين المياه والإذاعة والجمارك .
وبعد الانتهاء من إعداد الدراسة ومراجعتها ، أبرق الأمير سعود لوالده عن الخطوط العريضة التي يجب عليه أن يبت في اتخاذها ، وأولها تأسيس مجلس خبراء من المختصين في الرياض لدراسة جميع أنشطة الحكومة في الشؤون المالية ، والقانونية ، والدينية ، والاجتماعية ، والاقتصادية والنفط ..الخ ، وبأن يتم اختيار هؤلاء من الدول العربية والدول الصديقة على أن يعمل هذا المجلس تحت رئاسته ، وأن تكون للملك صلة مباشرة بهم وبمستشاريه أيضاً عند اللزوم، كما أوضح لأبيه أن دور هؤلاء الخبراء سيكون في إطار التخطيط والمشورة وليس للإدارة والتنفيذ، ولكن عند استلام الملك عبد العزيز هذه المقترحات ، قرر تأجيل تنفيذها في نجد إلى فترة لاحقة(59) .
وقد تناولت هذه الإصلاحات تعيينات جديدة في عدة دوائر، فلقد أعاد تنظيم إدارة الأمن العام، وأدخل تحسينات في نظم المحكمة الشرعية حتى توفر للجميع تسهيل أمورهم، كما ألغى بعض الرسوم على ختم الوثائق الشرعية لكونها غير إسلامية ، وعزز ودعم من نشاط هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
واستمر في إصلاحاته وأدخل خطة جديدة لإدارة شؤون الحج تشرف عليها إدارة عامة للحج والإذاعة ، وقد كان تأسيسها مبنياً على تجربته الشخصية خلال الحج لتلك السنة . ولقد عزز الأمير سعود أيضاً صلاحيات وزارة المالية وسيطرتها ومراقبتها على الميزانية والإنفاق والتوفير ، كما قام بتأسيس مجلس للشؤون الاقتصادية وإدارتها ومراعاة شؤون النفط . وأسس إدارة للأشغال العامة مخولة بإصلاح الأراضي البور والخالية للاستخدام الزراعي ، والقيام بحفر الآبار الارتوازية حيث لزم ، و بتأسيس شركات تعاونية زراعية، وأضاف إلى هذه الإصلاحات إنشاء إدارة مستقلة وعامة للجمارك، ثم توج هذه الإصلاحات بتوسيع مجلس الشورى في العاصمة المقدسة من خلال مضاعفة أعضائه إلى 26 عضواً، أما محاولته في تأسيس لجنة مكونة من خمسة أعضاء للإشراف على شؤون الحجاز في الرياض، فلقد تم تأجيلها إلى وقت آخر، وقد نالت نتيجة هذه المساعي من قبل ولي العهد استحسان الجميع، وعلى سبيل المثال، فلقد علق السفير البريطاني بلهام Pelham في تقرير سري له ( مؤرخ في 1372هـ / 16 نوفمبر 1952م) يتناول هذه الإصلاحات بأن "وضع البلاد في تحسن ، وأن جميع طبقات المجتمع مستفيدة منها وإن لم يكن ذلك بنسب متساوية ".(60)
وخلال هذه الفترة ، عين الملك عبد العزيز الأمير سعود قائداً عاماً للقوات المسلحة وقوى الأمن الداخلي في 15ذو الحجة 1372هـ/25 آب 1953م، ودَعّم ذلك مكانته كرجل ثاني من حيث السلطة والصلاحيات في الدولة، وكانت نتيجة هذا التعيين أنه تم تحديث الجيش السعودي البري وسلاح الطيران عبر تزويدها بالأسلحة وتدريبها على أيدي خبراء أمريكيين على أحدث أساليب الحرب لكي تكون القوات السعودية مؤهلة للقيام بواجباتها الوطنية، كما تمت توسعة أسطول الخطوط الجوية السعودية عبر شراء أربعة طائرات Sky master ، وتنظيم رحلات جديدة داخل المملكة وإلى الدول العربية المجاورة لنقل الحجاج (61) ، وتلت فترة إقامته في الحجاز زيارة المدينة المنورة ، حيث وقَّع على مجموعة كبيرة من المراسيم بإنشاء طرق جديدة ومدارس ومستشفيات قبل عودته إلى الرياض في أوائل 1372هـ /1953م .
وعندما أُخبر الملك سعود في زيارة له للمدينة المنورة عن بعض تشققات في بعض جدران الحرم النبوي الشريف ، والحاجة لتوسعة المسجد رفع لوالده الكريم هذا الأمر، والذي تجاوب معه والده فوراً بإرسال نشرة عبر الوسائل الإعلامية إلى العالم الإسلامي بعزمه على توسعة المسجد النبوي الشريف في 4/2/1368هـ/5/12/1948م كما كلف الأمير سعود بتبني المسألة ، وطلب أشهر المهندسين المعماريين من الأقطار الإسلامية للمساهمة في هذا المشروع، كما قام الأمير سعود في 5 شوال سنة 1372هـ /1953م خلال زيارته للمدينة بوضع حجر الأساس لتوسعة المسجد، وتابعها في العام التالي بتفقد سير العمل ، ووضع أربعة أحجار في إحدى زوايا الجدار الغربي بالمسجد النبوي الشريف ، وعند إتمام تنفيذ هذا المشروع حضر شخصياً لافتتاحه في (5–3–1375هـ/ 1955م لما كان يولي هذا المشروع من اهتمام ورعاية شخصية (62)، وكان ذلك بعد وفاة والده (وتذكر بعض المصادر بأن الملكين رحمهما الله أنفقا على المشروع ما يقدر بخمسين مليون ريال )، ولقد تبع هذا المشروع العظيم دراسة وتنفيذ توسعة كبرى للحرم المكي الشريف والذي سنذكر تفاصيله لاحقاً.
وبعد زيارته للمدينة المنورة ، توجه الأمير سعود إلى الأحساء في زيارة رسمية نالت استحسان الجميع ، بسبب استقباله للجميع واستماعه إليهم ، وتفقده للمشاريع الناشئة، ونظراً للسمعة التي كان يتمتع بها الأمير في المحافل العربية ، فلقد تدفق عليه العديد من الزوار من جميع مناطق الخليج للسلام عليه وعرض حاجاتهم ، وخلال هذه الزيارة ساهم الأمير سعود في إنشاء وتوسعة عدة مساجد ، كما أسس محاكم شرعية في أماكن كانت في حاجة لها، ودعم نشاط هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عبر زيادة في عددهم مع تحسين رواتبهم، ووفقاً لاهتمامه بالتعليم وتشجيع المعارف عين نائباً جديداً لإدارة المعارف ، كما أمر بإنشاء مجموعة من مدارس جديدة في عدة مدن ومناطق صحراوية .
ولقد طلبَ أيضا من الحكومة اللبنانية بعض الخبراء لإبداء مشورتهم حول أمر تأسيس معهد صناعي سعودي ،كما قرر الاستعانة بخبراء آخرين من بعض الدول العربية للاستفادة منهم في مجالات مختلفة مثل الشؤون البلدية والاقتصادية والزراعية ، يضاف إليها الأمن المدني والشؤون الصحية ولوضع أسس نظم للعاملين ، وقبل هذه الزيارة كان قد تم في الدمام مد رصيف إلى المياه العميقة عبر جسر من الصلب وممر صخري لكي يتسنى للناقلات الكبيرة الرسوّ على جانبيها ، وكان ذلك في(جمادى الأولى 1369هـ/ مارس 1949م (63) .
أشير سابقـــاً إلى العوامل التي جعلت الملك عبد العزيز يعين الأمير سعود ولياًللعهد ، ثم تفويضه بعدد من صلاحياته وممارستها دون الرجوع إليه ، والذي كان خلال عام 1369هـ /1950م ، ومن ثم تعيينه قائداً عاماً للقوات المسلحة السعودية وقوى الأمن العام في عام 1372هـ /1953م ، وعندما عانى الملك عبد العزيز من وعكة صحية في ذلك العام، قرر تعيين الأمير سعود رئيساً لمجلس الوزراء عبر مرسوم ملكي ، حيث أُسست عدة وزارات لتأسيس الدولة الحديثة ، وكان ذلك في الأول من صفر 1373هـ/ 9 أكتوبر 1953م ، وأسندت نيابة رئاسة الوزراء للأمير فيصل بن عبدالعزيز إضافة إلى منصبـــــه كوزيـــر للخارجية ، ومُنحت حقيبة وزارة الداخلية للأمير عبد الله الفيصل بن عبد العزيز ، ووزارة الدفاع للأمير مشعل بن عبد العزيز ، ووزارة المواصلات للأمير طلال بن عبد العزيز، بينما استمر عبد الله السليمان وزيراً للمالية والاقتصاد الوطني تمشياً مع توصية الملك عبدالعزيز بأن يُستعان بخبراته الطويلة .

وفاة الملك عبد العزيز ومبايعة الأمير سعود ملكاً للبلاد(1373هـ/1953م):
لقد انتقل الملك عبد العزيز إلى رحمة الله في الطائف صباحاً يوم الاثنين 2–3–1373هـ / 9 نوفمبر 1953م ، راجعاً إلى ربه راضياً مرضياً ، وفقده الجميع خاصة أفراد أسرته ، وعلى رأسهم الملك الجديد سعود الذي رافق والده منذ سن مبكر في أغلب محنه وإنجازاته كابن مطيع وجندي وفيّ مخلص ، ووصف وفاة والده بقوله " أنها فاجعة عظمى "، وتمت مبايعة سعود ملكا في الطائف من قبل أفراد أسرته وعلى رأسهم عمه الأمير عبدالله بن عبدالرحمن ، وأخوه الأمير فيصل بن عبدالعزيز الذي ألبسه خاتم أبيه،وأعاد الملك الجديد الخاتم إلى أخيه مبادراً بمبايعة الأمير فيصل ولياً للعهد .
وعندما انتهت مراسم العزاء والبيعة ، وجه الملك سعود نداءً إلى شعبه معلناً بأنه ينوي أن يجعل سيرة والده رحمه الله نصب عينيه، وأن يرقى بالبلاد سياسياً واقتصادياً واجتماعياً ساهراً على مصالح الرعية وتأمين حقوق أبنائها، وأن يولي عنايته الخاصة للإخاء الإسلامي والعربي مع الاحتفاظ بصداقة الدول الأجنبية التي أولاها فقيدنا الغالي عنايته" .
وفور استلامه لمقاليد حكم البلاد ، قام الملك سعود بزيارة سريعة إلى عدة مدن رئيسية ابتداءً بمكة المكرمة ، حيث وعد الأهالي أن يولي تلك البلدة المباركة أعظم عنايته وأكبر اهتمامه .
وعند زيارته للمدينة المنورة وتفقده لأعمال البناء في مسجد الرسول e أسهم في نقل الحجارة والأتربة في حفر المئذنة الشمالية الغربية أمام الخاصة والعامة ، مقتدياً في هذا العمل بسيرة الرسول وصحابته الكرام ، تاركاً أعمق الأثر في نظر مشاهديه ، الذين هللوا وكبروا فرحاً وابتهاجاً وتيمناً .
وقبل عودته إلى العاصمة أصدر الملك في21 ربيع الاول1373 هـ/ 1953م بياناً معلناً عن ثقته في جميع أركان وموظفي الدولة ، يشكرهم ويثبتهم في مراكزهم ، وعن رغبته في النهوض بالبلاد إلى ما تصبو إليه من مجد ورقي ورفاهية في إطار كتاب الله وسنة رسوله والشريعة السمحاء ، والقيام بمشاريع عمرانية وأعمال نافعة ، ونشر العلم، وبناء قوى الجيش ، مؤكداً بأنه سيكون أباً شفيقاً بهم ، سائلاً من الجميع أن يعمل كُلٍ من ناحيته وبقدر استطاعته على مساعدته في حمل أعباء الحكم.
وقبل مغادرته الحجاز ، وعد الملك سعود بتنفيذ عدة مشاريع على الفور ، وعلى رأسها توسعة الحرمين الشريفين والمشاعر المقدسة ، وبناء الطرق بينهما ، والخدمات الصحية فيهما ، وفي عاصمته الرياض وعد أهاليها برغبته بأن يضمن لهم حقهم في التقدم والازدهار.

مجلس الـــوزراء :
أبقى الملك سعود التشكيل الوزاري الأخير في عهد والده بإضافة عدة وزارات ، وذلك في 16 ذو الحجة 1373هـ/1945م ،كما ضم إلى عضويته مجموعة من مستشاريه مانحاً رئاستها لأخيه وولي عهده الأمير فيصل بن عبد العزيز ، ولما كان يولي الملك سعود وزارة المعارف من اهتمام خاص، فقد عين أخاه الأمير فهد بن عبدالعزيز أول وزير لها ، مع رفع ميزانيتها بأربعة أضعاف ، وعين الشيخ خالد بن أحمد السديري وزيراً للزراعة ، وتولى وزارة الصحة الدكتور رشاد فرعون، ووزارة التجارة والصناعة محمد علي رضا 1374 هـ/1955م .
وكان على رأس كبار مستشاريه عمه الأمير عبد الله بن عبد الرحمن ، ويضاف إليه الشيخ خالد أبو الوليد القرقني ، وجمال الحسيني ، والشيخ يوسف ياسين ، الذي كان وزير دولة ونائباً لوزير الخارجية ، والشيخ إبراهيم بن معمر ، ولقد تم إضافة دائرتين هامتين في هذه الوزارة وهما : إدارة العمل والعمال ، والثانية الإذاعة في عام 1375هـ / 1955م (64) . ولقد قامت الحكومة الجديدة بوضع المعالم للتنمية المنظمة عبر خطة خمسية وللمرة الأولى في تاريخ المملكة .
وفي العام نفسه قام الملك سعود بإنشاء ديوان المظالم(65) ، وفي وقت لاحق وعند استقالة الأمير طلال بن عبد العزيز وتعيينه سفيراً في فرنسا ، عين أخاه الأمير سلطان وزيراً للمواصلات عام 1374هـ /1955م ، كما عين محمد سرور الصبان بدلاً عن عبد الله السليمان كوزير للمالية ، ومن ثم تم تعيين محمد بن لادن وعبدالله بالخير بمرتبة يحق لهما فيها حضور اجتماعات مجلس الوزراء، فأصبح بن لادن ممثلاً للأشغال العامة، وبالخير للإعلام .
ومن ثم افتتح الملك سعود عهده برحلات أخرى إلى بقية أنحاء المملكة لدراسة حاجتها للمشاريع والإصلاحات والاستماع إلى رغبات الأهالي ، ابتداءً بالمنطقة الشرقية ومنشآتها النفطية ومراكز الأحساء الزراعية ، كما زار مناطق الشمال وعلى رأسها حائل ، والجنوب بما فيها عسير ونجران .
وبدأت النتائج الخيرة لهذه الزيارات تظهر سريعاً . وكان يقول – رحمه الله – : بأن ما تم من أعمال ومشاريع فور استلامه الحكم ليست بالشيء المقرر مقارنةً بما رُسم لها وقَرَرَ بتنفيذها،لرغبته الكبيرة لرؤية بلده يتمتع بأكبر قدر من التقدم والعمران ، ورفع مستوى شعبه.
أما نهجه ومعالم سياسته الاجتماعية والتنموية والخارجية ، كان يقـــول – رحمه الله – بأنه : " لا يجب قبول " الدِنيَّة " من صغير أو كبير أو دولة مهما كان ، كما لا يجب التراجع عن صداقة من رغب فيها إلا إذا كان فيها ما يمس الدين والكرامة والاستقلال " ، وكان يشدد على المساواة والمحبة والتقدير ، ويعامل الجميع بإخلاص: " فالكبير والداً ، والمتوسط أخاً ، والصغير ابناً له على الدوام". وكان يعترف دائماً بوجوب الاستفادة من عبر ودروس التاريخ وسير الأولين ، وبالصلات المتينة بين الشعوب العربية والإسلامية بحكم الدين ، كما كان يعتقد بأن تقوية هذه الروابط من العناصر الضرورية والتي تتمعبر التعاون في كل المجالات . أما نظرته للحضارة الغربية، فمع اعترافه بأن إنجازاتها مبنية على التقدم العلمي فقد كان يعتقد –رحمه الله – بأنه يجب على أمته الأخذ منها بما يعزز قوة البلاد ويحفظ كيانها ، وأبدى اهتمامه بالقضية الفلسطينية ، وكل قضية تخص كرامة العرب والمسلمين ومصالحهم ، فكان يؤمن بأنه يجب على الأمة أن تعمل بجد وإخلاص لتحرير فلسطين ، وبأن المملكة لن تتردد يوماً في بذل كل نفيس وغالٍ في سبيل تحقيق رغبات الشعوب العربية والدفاع عن كيانها والتضحية في سبيل استقلالها"، فكان صادق النية في كل ما قاله رحمه الله (66) ، وكانت سياسته تتسم بكثير من مزايا المروءة الشخصية ، وأولها الصدق والوفاء، والأمانة ، والكرم ، والإخلاص والتسامح والتضحية في سبيل مصلحة دينه وبني قومه.

نبذة عن أهم إنجازات الملك سعود (1373– 1384هـ / 1953–1964م):
اتبع سعود نهج أبيه،كانت شخصية والده الملك الراحل عبد العزيز – رحمه الله – شخصية أصيلة محافظة ، تغلب عليها القيم والنظريات العملية التي تربى عليها وعاصرها في فترة حكمه مع بني قومه، فكانت سياسته – رحمه الله – تتسم بمبدأ عَدَمِ التدخل في شؤون الغير ورفض تدخل الآخرين في أموره، وصدق القائل عندما ذكر معلقاً على فترة حكم الملك سعود خلال مراحله الأولى بأنه يسير على نهج أبيه ، كان الملك سعود يعلم جيداً ما المطلوب منه منذ توليه الحكم ، في وسط بيئة إقليمية واقتصادية وسياسية مضطربة وهائجة ، منقادة بالعديد من الشعارات الخيالية الرنانة ، فكان خادماً وأمينًا للمشاعر الإسلامية المقدسة ، مما يمنحه أهمية كبرى في أنظار جميع الشعوب الإسلامية حيثما وجدوا، نظراً لعدم تواجد أي سلطة مركزية إسلامية بديلة تنافسه في ذلك منذ إلغاء الخلافة العثمانية وهو رعاية مصالح وشؤون الإسلام والمسلمين، الدينية منها والاجتماعية ، ولما تتمتع به الدولة من إمكانيات مالية مقتدرة تفوق العديد من الدول العربية والإسلامية الأخرى، وبالتالي انصبت رغبته واستعداده لبذلها في سبيل الدفاع عن حقوق وكرامة قومه وأمته؛ فأعد سعود نفسه للتجاوب مع هذه الأدوار القومية والإسلامية والعالمية المطلوبة منه محافظاً على تأييد السلم وعدم التدخل في شؤون الغير والاجتهاد للدفاع عن كل حق شرعي .
ومن هذا المنطلق ، أراد سعود أن يرتب داره ، وسعى لتقوية نظمه ، وإدارته ، واقتصاده ومجتمعه، ودفاعه ، لكي يكون في وضع يخوله مساعدة اخوته العرب والمسلمين في محنهم بأسلوب فعال، وإن كان – رحمه الله – عجولاً في رغبته بالنهوض بوطنه إلى كل ما يصبو إليه إلا أنه كان يعلم في نفس الحين بأن العملية تتطلب الصبر والجهد المتواصلين لكي يصل إلى غايته المنشودة، لذلك فإنه لم يفرط في تولية جميع مناطق مملكته اهتماماً متساوياً كلٍ وفق حاجته .
فبدأ الملك سعود جهوده الإصلاحية للتنمية الداخلية لبلده ، وعَبَّر عن ذلك في خطبته للشعب ، وإعلانه الحرب على الجهل والفقر والمرض ، وأهتم ببرامج محو الأمية وتعليم الكبار.

ويمكن استعراض أهم إنجازاته تحت العناوين الأربعة التالية :
1ـ الإنجازات الداخلية .
2ـ السياسة النفطية .
3ـ السياسة الخارجية .
4ـ دور الملك سعود كزعيم إسلامي ونشاطه في سبيل الدعوة والمعارف الإسلامية.



أولاً – الإنجازات الداخلية :
1 – التعليم :
لقد آمن الملك سعود أن التعليم هو الثروة الوطنية البشرية ، فرخاء هذا الجيل – وما يليه من أجيال قادمة – يعتمد على تحقيق التنمية الاقتصادية ، والتي تحتاج بدورها إلى رجال مؤهلين بسلاح العلم؛ لذا كان اهتمامه – رحمه الله – بالتعليم كبيراً وبجميع مستوياته.
ومن أبرزها :
أ – التعليم العام :
ظهر اهتمام الملك سعود بالتعليم العام منذ أن كان ولياً للعهد ، وأول اهتماماته إنشاؤه مدرسة أنجال ولي العهد للبنين عام 1359هـ/ 1941م، والتي سميت فيما بعد مدرسة أنجال جلالة الملك سعود ، ومدرسة الكريمات للبنات عام 1371هـ / 1951م ، وهي أول مدرسة للفتيات بالرياض ، وقد بدأ فيها بتعليم بناته في قصر المربع ، ثم انضم إليها فتيات من أفراد الأسرة والشعب، بعد توسعة مبانيها في بناء عصـــري متكامل عام 1376هـ/1956م في قصر الناصرية.
وبعد توليه الحكم قام بإنشاء مبرة كريمات الملك سعود للبنات اليتامى 1376هـ /1956م، وبعد أن صُحِّحَتْ بعض المفاهيم الاجتماعية التي كانت تعارض تعليم البنات رأى– رحمه الله – أهمية تنظيم تعليم البنات باعتباره وسيلة لتقويم الأخلاق وتربية نشء من أمهات المستقبل فأصدر أمراً ملكياً في عام1380هـ/1960م بإنشاء الرئاسة العامة لتعليم البنات لتتولى الإشراف المباشر على مدارس البنات، وبتأسيسها كانت انطلاقة التعليم النظامي للفتاة ،وخصص لها موزانة تقدر بمليوني ريال، وأمر بفتح المدارس في كافة المدن والهجر والقرى حتى ارتفع ما خصص لها من ميزانية في العام التالي لتأسيسها لتصبح 12.415.480 ريال.

واهتم – رحمه الله – بالأيتــــــــــام ، وزادت عدد المدارس المخصصــــة للأيتام من 3 مدارس إلى 25 مدرسة في عام 1375هـ/1955م .
ودعماً منه للتعليم فقد تبرع بعشرة من قصوره في جده في منطقة الرويس لوزارة المعارف لاستخدامها كمدارس للبنين ، ثم منحهم بعض قصوره في مدينة الرياض .
ب – التعليم العالي :
أولى الملك سعود التعليم العالي جل اهتمامه وبدأ بإنشاء أول جامعة في المملكة وهي جامعة الملك سعود التي فتحت بموجب مرسوم ملكي في 21/4/1377هـ/1957م ، وبدأت الدراسة فيها في العام الأول بكلية واحدة فقط وهي كلية الآداب ، وبلغ عدد أول دفعة من الطلاب فيها 21 طالباً، وفي العام الثاني أضيف لها كلية العلوم ، وضمت الجامعة كليتين إضافيتين في العام الثالث ، هما كلية التجارة والصيدلة ، كما أُفتتح أول فرع للطالبات بنظام الانتساب عام1381هـ /1961م .
واستمر ابتعاث الطلاب الجامعيين للخارج ، رغبة منه –رحمه لله – في إعداد رجال مؤهلين في شتى المجالات والتخصصات التي تحقق التنمية الشاملة للبلاد .
وازدادت المعاهد العلمية فزاد عددها إلى عشرة معاهد في عام 1378هـ/ 1958م.
ولأهمية تبليغ رسالة الدين الإسلامي إلى العالم – عن طريق الدعوة والتعليم العالي وبهدف تكوين علماء متخصصين في العلوم الإسلامية – فقد أمر رحمه الله بإنشاء الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة في 25/3/1381هـ/ 1961م، بناء على طلب واقتراح تقدم به الشيخ أبو بكر الجزائري حيث ذكر ذلك في لقاء له في مجلة اليمامة في عددها رقم 1526 والصادرة في 20جمادى الآخرة 1419هـ /10 أكتوبر 1998م .
ج– تعليم الكبار ومحو الأمية :
اهتم – رحمه الله – بتعليم الكبار ومحو الأمية ، والتي اقتصرت بدايتها على مكة والمدينة (عام1369 هـ/ 1949 م) فأمر بإنشاء إدارة تختص بمجالات العمل في تعليم الكبار ومحو الأمية بوزارة المعارف عام 1374هـ/1954م، وسميت باسم إدارة الثقافة الشعبية ، وألحقت هذه الإدارة في بدايتها بالتعليم الابتدائي .
ونظراً للصالح العام وتقديراً لرسالة محو الأمية وتدعيماً للجهود التي تبذل في هذا المجال فقد انفصلت إدارة الثقافة الشعبية عن التعليم الابتدائي وأصبحت إدارة مستقلة بإدارتها وميزانيتها في عام 1378هـ/ 1958م (67) .
2 – الصحـة:
لم ينصب اهتمام الملك سعود في مجال الصحة على العلاج بدءًا بتطبيق الخطط الوقائية الصحية ، لتأتي الوقاية أولاً ثم العلاج، فأنشأ المحجر الصحي الكبير بمدينة جدة بتكلفة مقدارها 15 مليون ريال ، وكان أكبر محجر صحي في الشرق الأوسط ، في حين أن مــــيزانية وزارة الصحة بلغت عام 1379–1380هـ / 1959–1960م 55.61.800 ريال .
كما اشترى 4 مستشفيات متنقلة (قيمتها مليون وثمانون ألف ريال ) ، وبلغت تكاليفها السنوية 400 ألف ريال ، وقد ساعدت هذه المستشفيات أهل البادية لصعوبة وصولهم إلى المستشفيات المجهزة بالكامل، تبعها إنشاء مستشفيات ووحدات صحية في جميع أنحاء المملكة .
وقام – رحمه الله – بإنشاء مستشفى الملك سعود بالرياض ، وافتتحه عام 1376هـ / 1956م، واعتبر أكبر وأحدث مستشفى ، وكان بسعة 54 سرير .
وارتفعت موزانة الصحة إلى 88 مليون ريال عام 82–1383هـ/62–1963م بعد أن كانت 000, 700, 44 ريال عام 1377هـ/ 1957م.
وتم إنشاء أول مصحة لأمراض السل في حداء ، ثم مصحة للأمراض العقلية في الطائف، ولتدريب المواطنين والمواطنات ورفع كفاءتهم الصحية أمر بإنشاء معهد التدريب المهني ، حيث تخرجت أول دفعة من طلبته عام 1381هـ/ 1961م،ومنها مدارس للممرضات ، ومعهد صحي (68) ، كما أولى عنايته بالحجاج في النواحي الصحية ، وأنشأ المراكز الخاصة بهم .
3 – البلديات :
أصدر الملك سعود مرسوماً ملكياً في 10–1–1380هـ/1960م خصص بموجبه 25 مليون ريال للبلديات في المملكة ، للاهتمام بإنارة وتشجير وسفلتة الشوارع، وإقامة الحدائق العامة وفتح الشوارع . وكوّن مجالس إدارية في كل إمارة ومجالس بلدية ، وديوان للمحاسبة العامة ، وديوان للمظالم . وشملت الرعاية العديد من المدن :
مكة المكرمة :
اهتم بإعادة تخطيط مدينة مكة المكرمة وشوارعها بهدف توسعة المسجد الحرام.، ووضع نظام للمرور وسير المارة والحجيج ، وأمر بإضاءة شوارعها وتشجيرها، وجرى أيضاً تخطيط أراضي منى وعرفات لتهيئتها للحجاج،وتم تأسيس مجزرة حديثة بمنى ، وأقيمت المظلات الكافية لوقاية الحجاج من الشمس .(69)
أمانة مدينة الرياض :
ركز الملك سعود على مدينة الرياض لأنها وبحكم بعدها عن الساحل وعدم اختلاطها بالثقافات الأجنبية وتحفظ أهلها أدى ذلك إلى البطء في تطورها مقارنة بمنطقة الحجاز والمنطقة الشرقية، فحاول النهوض بإقليم نجد ليكون بنفس مستوى نمو المناطق الأخرى، فبدأ بتخطيط مدينة الرياض وفتح الشوارع والأرصفة بها، وبناء العمارات والفلل السكنية للموظفين والتي تُباع أو تؤجر بأسعار زهيدة، وبدأ في مشروع إضاءة الرياض بعدد 1289 فانوساً ، بتكلفة مليونين ومائتين وأربعين ألف ريال ، وشيد عدداً كبيراً من المساجد. كما أنشأ المرافق العامة فيها ، ومنها مكتبة كبيرة ، وعدد من النوادي الرياضية ، ومشاريع مياه للشرب في عدد من الآبار الارتوازية حفرت في وادي الحائر ، والتي تعتبر المصدر الرئيس لإمداد الرياض بالمياه، تبعه إنشاء سد وادي لبن في منتصف 1376هـ/ 1956م.
4 – الزراعة :
رغبةً في زيادة مساحة الأراضي المزروعة فقد أنشئت العديد من الوحدات الزراعية في بعض المناطق الزراعية بالمملكة عام1374هـ/1954م، وزودت هذه الوحدات بالمعدات الزراعية الحديثة والخبراء ، ومواد مكافحة الآفات الزراعية.

وفي نفس العام أنشأ قســـم خاص للثروة الحيوانيــة ، وأنشأت الوزارة سدود العاقول وعروة بالمدينة المنورة وثمالة وأبها وجيزان، وكانت ميزانية وزارة الزراعة في عام 1377هـ/ 1957م 21.000.000مليون ريال (70) .
5 – التجارة :
تعتبر وزارة التجارة أحدث الوزارات التي أمر بإنشائها الملك سعود فقد صدر المرسوم الملكي القاضي بإنشائها في 11/7/1373هـ /1953م، وأقامت الحكومة مكاتب للسجل التجاري ، وقد بلغ عدد المسجلين 7265 تاجراً خلال عامين، أيضاً قامت الوزارة بتسجيل العلامة الفارقة لحفظ حقوق المؤسسات التجارية ضد المنافسة، كما شاركت وزارة التجارة في معارض دولية ، وأنشأت مشروع نظام للشركات والإشراف عليها ، ومكتب مقاطعة إسرائيل . (71)
6 – الصناعة :
رغبة من الحكومة في تشجيع المواطنين على إنشاء المصانع قامت بإعفاء الآلات والمعدات التأسيسية للمصانع وقطع الغيار من الرسوم الجمركية ، مما أدى إلى إنشاء أكثر من مائة مصنع صغير في أقل من أربعة سنوات .
كما اهتمت الدولة بإنشاء مشاريع تنموية أهمها :
مشروع شركة الغاز التي تصل الغاز الطبيعي عبر الأنابيب من منطقة شرق نجد إلى الرياض، وإيجاد صناعات عديدة كالزجاج ، وصهر الحديد ، والسماد الكيماوي ، ومواد البناء وإنتاج الصابون ، والسجاد ، والزيت الصناعي ، والسمن ، والمنسوجات، والبناء ، والجلود والدباغة ، والأكسجين ، والأسمنت.
7 – وزارة المالية والاقتصاد الوطني :
تعتبر وزارة الماليــة أول وأقــدم وزارة في المملكــة منذ تأسيسها في عهــد الملك عبدالعزيز –رحمه الله– ، وفي عهد الملك سعود أعيد تشكيلها لتشرف على الإدارات التالية : مديرية الحج العامة ، مصلحة الزيت والمعادن ، مصلحة الزكاة والدخل ، مديرية الجمارك العامة ، مؤسسة النقد العربي السعودي ، مديرية الشؤون الاقتصادية. كما أسند لها الإعداد لمشاريع الأنظمة المتعلقة بالسياسة المالية والاقتصادية للمملكة ، كنظم مراقبة النقد والإيراد واستثمار رؤوس الأموال الأجنبية، ودراسة اتفاقيات الامتياز ، وأهمها امتياز البترول للشركة السعودية اليابانية ، والغاز الطبيعي ، والحديد والأسمنت والجبس ، ودراسة اتفاقيات الدفع والتبادل التجاري التي يتم عقدها مع البلدان العربية ، وغيرها من البلدان الصديقة. (72)
8 – الدفــاع :
كان الملك سعود يفتخر بجيشه وببلاده ، ففي موسم حج عام 1374هـ/1954م قام باستعراض للجيش –ولأول مرة– أمام قادة العالم الإسلامي والعربي. وأضاف إلى الجيش في عام 1374هـ/1954م ست وحدات جديدة ، وزاد عدد الوحدات في عام 1375هـ 1955م خمساً وأربعين وحدة جديدة، ثم أضيف إليها أحد عشر وحدة عام 1376هـ /1956م و في عام 1377هـ /1957م أضيف إليها عشرون وحدة، كما تم إنشاء المدارس العسكرية في كل مدينة.
ولعل من أهم الأعمال في هذا القطاع الأمني الهام هو تأسيس كلية الملك عبدالعزيز الحربيــة بالرياض ، والتي أفتتحهـــا الملك سعود في شهر جمادى الأول 1375هـ/1955م، وفي عام 1377هـ/1957م أنشأ معهدُ بحري بالدمام لتخريج الضباط البحريين السعوديين، أيضاً أنشأ سلاح المظلات عام 1374هـ/ 1954م ، واهتمت الوزارة بالبعثات خارج البلاد في أوروبا وأمريكا لتلقي مزيدٍ من الدراسات العسكرية وفق أحدث أنظمة العالم تطوراً، وبلغت ميزانية وزارة الدفــــاع في عام 1378هـ/1958م 280.000.000ريال سعودي .(73)
9 – الحرس الوطني :
جرى افتتاح أول مدرسة للحرس الوطني في الرياض عام 1376هـ/ 1956م وأخرى في الحجاز، كما تم إنشاء وحدة طبية للحرس الوطني في نفس العام .
10 – المواصلات والاتصالات :
أ – تم إنشاء شبكة من الهاتف اللاسلكي كلّف تسعة ملايين من الريالات في عام 1374هـ/1954م، وكان للاتصالات الداخلية فقط، وفي عام 1975/ 1955م افتتُح الاتصال مع الدول العربية . ثم أفتتح أول مركز للاتصالات بالعالم الخارجي عام 1376هـ/1956م، وفي العام التالي في 1377هـ/1957م افتتح أول مركز للاتصالات السلكية في جده .
ب – عُممت مراكز البريد في كل أنحاء المملكة .
ج – أسست مصلحة الطرق في عام 1374هـ/1954م، وركزت الجهود على رصف طرق الحج (طريق المدينة المنورة – جدة) و ( طريق الطائف – مكة ) وإنشاء ميناء الدمام التجاري ، ميناء جيزان ،وميناء ينبع ، وميناء الوجه. (74)
11 – توسعة الحرم المكي الشريف :
في صباح يوم الخميس 23 شعبان 1375هـ/ 5 إبريل 1956م وضع الملك سعود بيده الحجر الأساس لعمارة وتوسعة المسجد الحرام في حفل إسلامي كبير، وهي أول توسعة تتم في العهد السعودي، وكانت التوسعة شاملة ومدروسة لتتمكن من استيعاب ضغط الحجاج المتنامي، ومن أهم التحسينات إدخال المسعى في المسجد الحرام ، وإنشاء دورٍ إضافي مع تحسين وتوسيع جميع المرافق التي تحيط به . أما المسجد النبوي والذي تمت توسعته تحت رعاية والده المغفور له الملك عبد العزيز وأفتتحه الملك سعود عندما كان ولياً للعهد ، فقد أمر باتخاذ الإجراءات اللازمة لمعالجة عدم ملائمة جدار المسجد القديم مع التوسعة الجديدة ، إضافة إلى البدء في توسعة جديدة في القسم الشمالي لاستيعاب أعداد كبيرة من المصلين .
12 – المديرية العامة للإذاعة والصحافة والنشر :
أصدر الملك سعود مرسوماً ملكياً في شهر ذي القعدة 1374هـ/1955م بتأسيس هذه المديرية، وهي تنقسم إلى قسمين قسم الإذاعة ، وقسم الصحافة والنشر، كما أسست مكاتب صحفية في السفارات والمفوضيات، مع إصدار مجموعة من النشرات والمجلات والكتب بأسلوب منتظم ، مع مكتبة وأرشيف وقسم خاص للتصوير والدعاية والإعلام، وتم وضع اللوائح الخاصة بتنظيم الطباعة والنشر.
13 – العمل والعمال :
أصدر الملك سعود نظاماً خاصاً بالعمل والعمال بتاريخ 25/11/1376هـ /1957م ليحمي حقوق العامل ، وتنظيم العلاقة بين العامل وصاحب العمل، وقد وضعت نظم ولوائح لأعمال كل وزارة لاتباعها . (75 )
14 – الــــرق :
تميز الملك عبد العزيز بالرحمة والإنسانية ، وقد كانت تجارة العبيد في الجزيرة قبل توحيدها من التجارة المقبولة عُرفاً والسائدة منذ قرون طويلة ، لسهولة نقل التجار للأفارقة المأسورين من قارة أفريقيا عبر البحر الأحمر ، وبيعهم في أنحاء الجزيرة، فأمر الملك عبد العزيز بمنع هذه التجارة عام1355هـ/1936م إلا أنه لم يتم القضاء عليها كلياً لانشغاله في تأسيس الدولة. (76)
وبعد وفاته – رحمه الله – واستلام ابنه سعود لمقاليد الحكم وفي ظل التغيرات والتوجهات الاجتماعية السائدة في العالم، ومواكبةً لها رأى الملك سعود أهمية إلغاء نظام الرق، وإصدار قانون صريح بذلك فأمر بتشكيل لجنة لدراسة ذلك عام 1380هـ /1960م، وشُكلت اللجنة برئاسة وزير الداخلية آنذاك الأمير عبد المحسن بن عبدالعزيز يعاونه الشيخ محمد الحركان الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي، وغيره من المستشارين(77)، وخــــلال هذه الفترة مرض الملك سعود، وسافـر إلى أمريكا عام 1382هـ/ 1962م للعلاج فأناب أخاه الأمير فيصل لرئاسة مجلس الوزراء، وعند عقد أول مجلس للوزراء بعد غياب الملك سعود في 9 جمادى الثانية 1382هـ/ 6 نوفمبر 1962م صدر قرار تحرير الرقيق ، والتي أكد فيها الأمير فيصل بقوله " إنها من بعض الإجراءات التي ترغب حكومة جلالة الملك في تنفيذها " (78) ، وكان القرار يضم أيضا تعويضاً مالياً من الحكومة عند تحرير العبيد لمن يُقْدِمْ على هذه الخطوة لتشجيع المواطنين على ذلك بأسرع وقت.


ثانياً – السياسة النفطية :
لقد استعان الملك سعود – رحمه الله – بالعديد من أبناء الوطن المؤهلين، والذين عادوا من الخارج بعد إكمال تعليمهم ، ومنهم عبد الله الطريقي أول وزير سعودي للنفط، واستمرارا لرغبته –يرحمه الله– في الاعتماد على الكوادر المحلية المدربة لتأخذ مكانها المرموق في استلام زمام الأمر في إدارة شؤون البلاد التنموية . كانت تلك نتيجة جهوده السابقة في دعم القوى البشرية المدربة والمؤهلة بدءًا من فتح المدارس والمعاهد والجامعات والاستعانة بالخبراء من الدول الشقيقة و الصديقة ، وإرسال البعثات إلى الخارج لتأهيل الشباب السعودي، وبالرغم من صراحته وصدقه وعدالته في التعامل ، على المستوى الشخصي و الجماعي ، فقد كان نموذجاً في حرصه وغيرته على كرامة ومصلحة وطنه وأمته، وكانت هذه العوامل نقطة انطلاق سياسته الخارجية .
وباعتبار النفط مصدراً حيوياً لدخل بلاده ومع احترامه لبنود الاتفاقيات السارية المفعول مع شركات النفط العالمية ، فإنه كان يحلم بذلك اليوم الذي يملك فيه السعودي الكفاءة والقدرات والإمكانيات لإدارة هذه الصناعة ، والاستفادة من جميع جوانبها حق الاستفادة دون الاعتماد على الشركاء الأجانب . وكان حريصاً كل الحرص عندما يُطلب منه الموافقة على اتفاقيات جديدة مع شركات النفط ، أن يبذل كل الجهود لتكون للدولة نسب أعلى من الفوائد مقارنة بالاتفاقيات السابقة ، والتي كانت تحصل فيها شركات النفط العالمية على نسب أعلى من السعودية، وأن تكون أعمال هذه الشركات وحساباتها تحت مراقبة أقوى من قبل الحكومة السعودية عبر إدخال أعضاء ممثلين لها في مجالسها بعدد يوازي نسبة مصالحها من الفوائد، وعملاً بذلك فقد وافق الملك سعود على منح امتياز في14 أكتوبر 1957م/ 1377هـ للشركة اليابانية للبترول، ودعماً لرغبته في تحقيق حصة أكبر لبلاده تم تحديد فوائد الجانب السعودي بنسبة 56 % من الأرباح بدلاً من المناصفة ، واعتبرت هذه المبادرة من قبله بمثابة " ثورة " على عُرف التعامل مع هذه الشركات،حيث أن الدول المنتجة الأخرى – ومنها العربية – حذت حذوه بمطالبة شركات النفط التي تتعامل معها بمنحها نسب أعلى من الفوائد .( 79 )
كما أنه أمر بتأسيس مشروع شركة ناقلات سعودية ملتزمة بحمل النفط السعودي إلى أسواقها ، وكان ذلك في إطار المشاريع التي تضمن للدولة والمواطن السعودي مجالاً للاستفادة من عمليات النقل ، وكانت باقتراح من عبد الله السليمان ومحمد علي رضا – وزير التجارة الجديد، وعرضا فكرتهما لتكون بالمشاركة مع رجل الأعمال اليوناني "أوناسيس" ، الذي كان يملك أسطولاً ضخماً من الناقلات، لم يتردد الملك سعود في إصدار موافقته السامية عليه ، وواجهت تلك المقترحات احتجاجات شركة " أرامكو" والحكومة الأمريكية . وفي17شعبان 1373هـ /20 أبريل 1954م ،تم تدشين أول ناقلة سعوديةقادرة على حمل 46.000 طن ، وسميت " الملك سعود الأول " نسبةً إليه، مما جعل جون فوستر دلس (وزير الخارجية الأمريكي ) يعتبر أن هذه الخطوة هي الأولى من قبل الملك سعود لفرضه المزيد من السيطرة على النفط ، والإضرار بمصالح شركات النفط الأمريكية في المنطقة .
ولقد وصلت الأمور إلى أن الوزير الأمريكي دلس طلب من سفيره في جدة وارد زورث (WARD SWORTH) أن يُذَكِرَّ الملك سعـــود بما حصل عندما حاول الدكتور مصدِّق تأميم مصالح النفط الإيرانية ، وعلق بأنه " يجب على الملك ومستشاريه أن يسألوا أنفسهم أين سينتهي بهم الأمر بعد ثلاث سنوات ، أو حتى بعد سنة واحدة ، بدون عائدات من النفط " (80) في حالة مقاطعة النفط السعودي ، حيث أن اعتمادهم الأساسي عليه ، وبأنه إذا حصل هذا فعلاً ،فإنها ستكون"كارثة"! ولكن الملك سعود لم يتأثر من هذه الإنذارات ، و أعتبر أن هذه الإنذارات تدخلاً في شؤون دولته.
وفي وجه هذا التصدي من قبله ، حصل ما لم يكن في الحسبان ، فلقد رفع أحد المتعاملين مع أوناسيس دعوى ضده ، وكشف فيها أسراراً عن تبادل عمولات بين الأطراف المتنازعة ، ومن ثم تناولتها وسائل الإعلام، وفي الوقت نفسه رفعت شركة أرامكو دعاوٍ على أوناسيس وكسبتها فيما بعد .
وبلغ الملك سعود كل أسرار تلك الأحداث و"صُدِمَ" بها وقرر التخلي عن المشروع بشئ من الندم وخيبة الأمل ، حيث أن هذا المشروع كان مجدياً ومفيداً لمصالح حكومته والبلاد على المدى الطويل .
كما يقال عن أوناسيس، بأنه كان دائماً يكرر عند ذكر هذه الأحداث أمامه بأن مشروعه هو الذي أنذر بتأسيس منظمة على نمط " أوبك " ، وبتأميم مصالح وقطاعات صناعات النفط في العديد من الدول المنتجة . (81)

ثالثاً – السياسة الخارجية :
أدى الملك سعود دوراً هاماً على المستويات الإقليمية والعربية والإسلامية والعالمية وأهلته مكانته الإسلامية ومقوماته الشخصية للنجاح في العديد من المساعي الرامية للمِّ الشمل وتدعيم العلاقات، وقد بدأ في زياراته الخارجية بعد أن انتهى من زياراته الداخلية.
فقام برحلات إلى الدول العربيـة والصديقـة لأهـداف إسـتراتيجيـة وسيـاسيـة، وبـدأ جـولتـه عـام 1373هـ / 1953– 1954م إلى مصر ثم الكويت ، والبحرين ، والأردن ، واليمن ، وباكستان. معلناً بأن ليس له غاية سوى "جمع كلمة المسلمين عامة في مشارق الأرض ومغاربها" ليكونوا كالبنيان المرصوص والجسد الواحد .
كان الملك سعود يؤمن بسياسة عدم الانحياز ، وتباحث في ذلك مع نهرو في زيارة رسمية للهند، كما سعى وعمل ليرى المنطقة خالية من التكتلات والأحلاف التي لا تخدم سوى المصالح الأجنبية فرفض حلف بغداد، وبالرغم مما واجهه من ضغوط من الغرب وافق عند لقائه بالرئيس جمال عبد الناصر والرئيس السوري شكري القوتلي في القاهرة في رجب عام 1375هـ/ مارس 1956م على إصدار بيان مشترك حول تفهمهم للمسائل الأمنية والدفاعية والتي سبقت وتزامنت مع اتفاقيات أخرى في هذا الإطار وفي مجالات مالية واقتصادية وتنموية .
وعلى سبيل المثال قام في ربيع الأول 1375هـ/ نوفمبر 1955م بمنح سوريا قرضاً بستة عشر مليون دولار لمدة خمس سنوات، واتفق على تبادل المنتجات وإعفاء الزراعية منها من إجازات الاستيراد والتصدير والرسوم الجمركية، وإثـر عـدوان إسـرائيــل المتـواصـل عـلى الأردن خلال عام1374 – 1375هـ/ 1955م وجه الملك سعود الدعوة لقيادات عسكرية من مصر وسوريا ولبنان والأردن بالحضور إلى الرياض للنظر في كيفية صد العدوان ، موافقاً على تحمُّل نفقات تعزيز الحرس الوطني والقوات المسلحة في الأردن .
كما تقدم بحماس لتبني وتدعيم ثورة الجزائر دبلوماسياً ومالياً عند إعلانها في أول نوفمبر 1954م/ صفر 1375هـ .
وانضم إمام اليمن أحمد أيضاً إلى المساعي العربية لتصفية النوايا ، وتوحيد الصف العربي والكلمة عندما دخل في اتفاقية دفاع مشترك مع مصر و السعودية وسوريا ، بعد اجتماعه بالملك سعود والرئيس جمال عبد الناصر والرئيس شكري القوتلي في أواخر شهر شوال 1375هـ /21 أبريل 1956م، والذي كان إثر نتائج ميثاق جدة بين السعودية واليمن .
ودعماً منه للدول العربية ، وبعد تأميم شركة قناة السويس ( في شهر ذي الحجة 1375هـ/ 26 يوليو 1956م ، وبالرغم من أن الحكومة المصرية لم تستشره أو تشركه مع سوريا في اتخاذ هذا القرار بخلاف التوقعات كحليف عسكري ، إلا أنه نهض لتأييد مصر بالرغم من خطورة قرار التأميم وردة الفعل التي يمكن أن تحدث بسببه. واستطاع أن يكسب ملك العـراق (فيـصل الثـاني) إلى صـفــه عـبر الاجتماع في الـدمام ( في صـفر 1376هـ / 20 سبتمبر 1956م ) ، أعقبه – وفي نفس الشهر ونفس المكان – اجتماع مع الرئيس جمال عبد الناصر والرئيس السوري شكري القوتلي ، وأبدى لهما تأييده ودعمه الكامل لموقف مصر في هذه الأزمة .
وعندما وقع العدوان الثلاثي على مصر ( في 29 أكتوبر 1956م/ ربيع الأول 1376هـ) نتيجة لقرار التأميم ، أعلن الملك سعود التعبئة العامة ، وأمر بفتح مكاتب للتطوع ، وعرض على حكومة مصر كل مساعدة ، وأشرف على العمليات شخصياً واستقبل الطائرات الحربية المصرية لحمايتها من التدمير .

وكوسيلة للضغط على حكومتي بريطانيا وفرنسا فقد قام بقطع النفط عليهما كسلاح لم تواجهه هذه البلدان من قبل ،ومنع جميع السفن البريطانية والفرنسيةوغيرها مـن السفـن المتجه بحمولتهـا إلى هذين البلدين من النفط السعودي، وقطع العلاقات معهما، لقد استخدم الملك سعود سلاح النفط ولأول مرة،بالرغم من علمه بالنتائج السلبية التي يمكن أن تعكسها هذه الخطوة على الاقتصاد المحلي. ( 82 )
واستمر دعمه بعد الحرب لإزالة آثار العدوان ، وقدم المساعدات السخية ، ومنها تبرعه بمليوني ريال للهلال الأحمر المصري لمساعدة منكوبي مدينة بور سعيد المدمرة .
ووفاءً لنهجه،ورغبةً منه في أن يرى المنطقة خالية من تكتلات سياسية ودفاعية تهدف إلى تأييد دولة عظمى ضد أخرى،وبالرغم من صلاته المتينة بالنظام الأمريكي واعتماده عليه في مجالات شتى بسبب النفط واكتشافه وإنتاجه،إلا أنه فكر جدياً في إلغاء التسهيلات المقدمة للولايات المتحدة باستخدام مطار الظهران كوسيلة من وسائل الضغط على أمريكا ، واستمراراً في مساعيه الفورية والمتخذة لإزالة آثار العدوان على مصر .
وكانت تلك الأحداث ضمن أهم العوامل التي جعلت الرئيس الأمريكي (ايزنهاور) ينظر إلى الملك سعود كقائد يمكن الاعتماد عليه بعد كسبه كصديق وحليف، وبادر بإرسال دعوة له لزيارة أمريكا رسمياً في1957م/ 1377هـ لإيمانه أن للملك سعود دوراً بارزاً في مشروعه للتصدي للشيوعية ، ومحاربتها في الشرق الأوسط والدول الإسلامية .
وفور تلقي الملك سعود للدعوة بادر إلى الاجتماع مع الرئيسين جمال عبد الناصر وشكري القوتلي في القاهرة في يناير 1377هـ/1957م ، واتفق معهما على محاولة إقناع الرئيس (ايزنهاور) بالضغط على العدو الإسرائيلي بالجلاء عن شرم الشيخ المشرف على خليج العقبة، والانسحاب إلى خطـوط الهدنة السابقة على جميع الجبهات .
واستمر في دعم دول المواجهة مع إسرائيل ، ودخل في اتفاقية مع الرئيسين ومع الملك الأردني حسين مدتها عشر سنوات لتخفيف العبء المالي عن الأردن ، نتيجة لما تعانيه من مشاكل بسبب الاعتداءات الصهيونية ، وكانت المساهمة السنوية من مصر والسعودية للأردن بمقدار خمسة ملايين جنيه مصري من كل منهما (83)، إضافة إلى ذلك تباحث مع الرئيس الأمريكي في خلافه مع بريطانيا حول واحة البريمي ، وهى المنطقة البترولية بين الحدود السعودية وعمان وأبوظبي الواقعة تحت الحماية البريطانية ، وقد كانت قضية واحة البريمي من القضايا المثارة منذ عهد والده الملك عبد العزيز ، واستمر الخلاف قائماً فيها ، وتم عرضها في عهد الملك سعود للتحكيم الدولي، بعد حدوث عدة مناوشات .
وحين زيارته للولايات الأمريكية رداً على الدعوة التي تلقاها ، قوبل باستقبالٍ حافل من الحكومة الأمريكية ، إلا أن محافظ مدينة نيويورك (اليهودي واغنر) رفض استقبال الملك سعود نظراً لسياسته القومية والإسلامية والتي تتعارض مع المصالح اليهودية .
وألقى الملك سعود خطبةً هامة في المأدبة التي أقامها همرشولد ( الأمين العام السويدي لهيئة الأمم) ، وتناولت جميع جوانب الشكاوى العربية في إطار ميثاق الأمم المتحدة وصلاحياته ، واقترح على الجميع التمسك والعمل المخلص به ، كما تطرق إلى نتائج الحرب الباردة وسلبياتها.
وخــلال مفاوضاته مع الرئيس الأمريكي في واشنطن في جمادى الثاني 1376هـ / 2 فبراير 1957م شرح له الرئيس الأمريكي مبادئ وأهداف مشروعه ، والمعروف باسمه ( مشروع آيزنهاورEisenhower Doctrine) والدور الإيجابي الفعال الذي يتوقعه منه كصديق قوي لأمريكا ، وكزعيم عربي وإسلامي بارز في سبيل مقاومة التيار الشيوعي الزاحف إلى منطقة الشرق الأوسط ومناطق الدول الإسلامية (84) .
وتمهيداً لهذه المبادرة قدم إيزنهاور للحكومة السعودية في 24 يناير 1957 م / 1376هـ قرضاً مقداره 25 مليون دولار .
وكان رد الملك سعود – بالرغم من وجود عروض سوفيتية لتقديم المساعدة العسكرية لمواجهة بريطانيا– الرفض ، وأن سوء سياسة بريطانيا هي التي دفعت العرب إلى طلب العون من الاتحاد السوفيتي، كما أن دول عدم الانحياز تستفيد اكثر من المساعدات السوفيتية مُقارنة باستفادة أصدقاء الولايات المتحدة من المساعدات الأمريكية، والتي يجب أن تتضاعف لكي يتسنى للرئيس الأمريكي التوفيق في مساعيه، وطلب الملك سعود من ايزنهاور استخدام نفوذه مع إسرائيل للانسحاب من الأراضي المحتلة وتسوية القضية الفلسطينية ، وإقناع فرنسا للوصول إلى حل حول استقلال الجزائر،كما وعده بإطلاع إخوانه العرب على مشروع ايزنهاور وأهدافه ، وجس نبض الرأي العام العربي ( على الإطارين الرسمي والشعبي ) قبل تقديم أي التزامات من طرفه .
وحيث أن الملك سعود قد أوضح للرئيس الأمريكي بأن قسطاً كبيراً من ميزانية دولته تنفق على التنمية وتنفيذ الخطة الخمسية ، وأنه في حاجة للمساعدات العسكرية قبل تمكنه من لعب أي دور يتوقع منه في مجال التصدي للزحف الشيوعي ، وافقت الحكومة الأمريكية بمنحه قرضاً مقداره (250مليون دولار) ، وتزويده بجميع أنواع الأسلحة البرية والبحرية والجوية ، وتدريب السعوديين على استخدامها وقيادتها وإدارتها، ومقابل هذه العروض وافق الملك سعود على تقديم التسهيلات الممنوحة للحكومة الأمريكية باستخدام مطار الظهران لمدة خمسة سنوات، على أن يسلم المطار مع تجهيزاته للحكومة السعودية بصفة نهائية عام1381هـ/1962م (85) ، ولعل الجهود التي بذلها الملك سعود لبلاده في هذه الزيارة الهامة أتت بنتائجها الإيجابية لبلده، وقبل قيامه بإطلاع زملائه العرب عن نتائج زيارته ، وشرح مضمون مشروع آيزنهاور، زار الملك سعود أسبانيا والمغرب وتونس وليبيا وأخبر زعماؤها عن تلك النتائج .
ثم اجتمع في القاهرة – في رجب 1376هـ/ فبراير 1957م – مع زعماء مصر وسوريا والأردن وأطلعهم على أهداف آيزنهاور، وتحت تأثير من الرئيسين المصري جمال عبد الناصر والسوري شكري القوتلي – ورغبة من الملك سعود في وقوفه بجانب الإجماع العربي – فقد قرر أن يؤيد رئيسي سوريا ومصر في عدم المساهمة في مشروع آيزنهاور .
لقد كانت مساعي وتضحيات الملك سعود من أجل توحيد الصف العربي – وفي سبيل خدمة قضاياه – من الأمور التي أولاها جل اهتمامه، إلا أن نتائج سياسات الدول العظمى السلبية– والحرب الباردة ، وأنانيات بعض الزعامات العربية– حالت دون النتائج التي كان يتطلع إليها ويحلم بها ، وقدم التضحيات من أجلها ، وانتهت سياسات وتدخلات الدول العظمى إلى تمزيق الصف ، وانقسام العرب إلى معسكرين رئيسيين، وأدى ذلك إلى انفجار وتفاقم الصراعات الجديدة بينهم، وأصبح كل طرف يمثل دولة عظمى أو تكتل سياسي يدعمه .
وعندما قررت الجمهوريـــة العراقية بزعامــــة عبد الكريم قاسم ضـــم الكويت (عام 1381هـ / 1961م). بادر الملك سعود بحماية الكويت وأرضها برفع صوته في المحافل الدولية إيفاءً بالاخوة التي تربط آل الصباح بآل سعود ، وبذل الغالي والنفيس من أجل تأمـــين حدود الكويت ، مناديـاً بأن أي اعتــــداء على الكويت يعد اعتداءً على السعودية. (86) وكانت هذه إحدى قيمه وسلوكياته في ممارسة سياسته الخارجية .
وقد استمرت السياسة السعودية إلى يومنا هذا تعتمد نفس الطريق والمنهج في الدفاع عن الحقوق .
وعلى الصعيد الإسلامي ، نجده قد جند سياسته في سبيل خدمة الدين وإعلاء كلمته، ولم يكن بعيداً عن ذهنه في أن وحدة الصف العربي والإسلامي تشكل قوةً بإمكانها أن تلعب دوراً هاماً ككتلة سياسية مرتبطة ببعضها يجمعها تاريخ عريق ، وعقيدة راسخة ، وتجارب ماضٍ متماثلة ، وتحديات معاصرة ومستقبلية متشابهة ، ومصالح مشتركة، ولتدعيم كل ذلك استمر اتصاله بزعماء الشعوب الإسلامية وعلمائها ومفكريها وخلال مواسم الحج، ومن جانب آخر كانت الشعوب الإسلامية تكن له وافر الاحترام والتقدير كزعيم إسلامي وسياسي بارز ، تقع على عاتقه مسؤوليات جسيمة لإنشاء قوة إسلامية عالمية .
وتقديراً منه– رحمه الله– لتوقعات الشعوب الإسلامية فقد سعى إلى زيارة الدول الإسلامية ، وتوجيه الدعوة الرسمية لزعمائها لزيارة المملكة ، وعمل على توطيد العلاقات الثنائية والجماعية.

وكان يعلم – رحمه الله – بأن أي سبيل يهدف إلى وحدة الصف الإسلامي ودعمه لتصبح الأمة جسداً واحداً كامل القوى والقدرات حر القرار والتصرف ، سيأخذ دونما شك وقتاً طويلاً ، وأنه ربما لن يتمكن من مشاهدة ثماره ، ولكنه كان يعتقد بأن من واجبه – ومن حق الشعوب الإسلامية عليه – أن يبذل ما يستطيع من الجهود الرامية لتحقيق هذه الأهداف السامية دون المساس بمبدأه باحترام سيادة الدول ، وعدم التدخل بالشؤون الداخلية للغير .

رابعاً – دور الملك سعود كزعيم إسلامي ونشاطه في سبيل الدعوة والمعارف الإسلامية :
سعى الملك سعود إلى المبادرة بالعديد من الزيارات للدول الإسلامية مثل باكستان، واستقباله لزعماء المسلمين مثل سوكارنو رئيس إندونيسيا ، وشاه إيران محمد رضا بهلوي، وأيوب خان رئيس باكستان ، وأحمد سيكوتوري رئيس جمهورية غينيا للوصول إلى إجماع إسلامي،وإن لم تكن للدول الإسلامية الإمكانيات الكافية لإعلان استقلالها التام من النفوذ الغربي.
ولقد سعى – رحمه الله – لتدعيم نشاط الدعوة والمعارف الإسلامية في جميع أنحاء العالم عبر مساعدات سخية ومن أبرز أعماله في هذا المجال :
أ – مؤتمر العالم الإسلامي:
انطلاقاً من اهتمام الملك سعود بالمبادئ الرامية لتوحيد ولم شمل الأمة الإسلامية دعا إلى مؤتمر إسلامي في مكة المكرمة (عام 1374هـ/1955م ) لبحث أوضاع المسلمين، وإزالة الخلافات وتوحيد كلمتهم .
واستجابة لهذه الدعوة وتقديراً لأهدافها فقد رحبت حكومات الدول الإسلامية ، وتوافدت إلى مكة المكرمة لحضور المؤتمر في حج عام(1374هـ/1955م، وبُحِثَ في المؤتمر أوضاع وأحوال المسلمين ، وتأكيداً لاستمراره وتحقيقاً للأهداف التي دعا إليها الملك سعود خرج المؤتمر بنتائج ناجحة ، أهمها : إنشاء سكرتارية عامة للمؤتمر ، وعُيِّنَ أنور السادات سكرتيراً للمؤتمر، وتم تشكيل مجلس أعلى للمؤتمر يمثله الملك سعود ، والرئيس المصري جمال عبد الناصر، ورئيس وزراء باكستان محمد علي، واتفق الجميع على أن يكون مقر المؤتمر القاهرة، وتكون جلسته الافتتاحية في مكة المكرمة، واختير الملك سعود رئيساً للمجلس الأعلى للمؤتمر الإسلامي .
وبفضل دعم واهتمام الملك سعود ومسؤولياته كرئيس للمؤتمر أدت هذه المنظمة دوراً إيجابياً، وعبرت المنظمة عن بالغ تقديرها للملك سعود بن عبد العزيز لاهتمامه المتواصل بها من خلال السكرتير العام للمؤتمر أنور السادات في رسالته المؤرخة في 7 شعبان 1376هـ/9 مارس 1975م ، حيث قال :" فإن المؤتمر الإسلامي الذي يعتز بقيادة جلالتكم الحكيمة يسره أن يعرب لجلالتكم عن مدى تقديره وإعزازه بما تلقاه اليوم من مساهمتكم الكريمة في تحقيق رسالته … إن هذه المؤسسة الإسلامية الكبرى لم ترتفع قواعدها إلا بكريم تشجيع جلالتكم لها ، ولم تكن لتنهض به من جليل الأعمال في هذه الفترة الوجيزة من سنيها لولا ما أفضتم عليها جلالتكم من بِرِّكُم وعطفكم ، وما أسديتموه إليها من سامي توجيهاتكم ، وسديد آرائكم، وبذلك رعت يد جلالتكم الكريمة على المؤتمر كافة المسلمين في شتى أقطارهم ، ولهجت ألسنتهم بالثناء على حامي الديار المقدسة ، وراعي المؤتمر الإسلامي ، العامل لخير الإسلام ، الساهر على جمع المسلمين على كلمة سواء ) . (87)
ولقد كانت هذه الرسالة أصدق تعبير على دور الملك سعود كزعيم إسلامي .
ب – رابطة العالم الإسلامي :
تواصلاً لأعمال المؤتمر الإسلامي الداعمة والرامية إلى تحقيق التواصل الإسلامي ودعم كلمة المسلمين فقد قرر المؤتمر الإسلامي المنعقد في مكة المكرمة في 14 ذي الحجة 1381هـ/1962م تأسيس رابطة العالم الإسلامي ، والتي تهدف إلى تبليغ دعوة الإسلام ، وشرح مبادئ وتعاليم الدين الإسلامي ، ومواجهة المؤامرات الخطيرة الرامية إلى بث الفتن بين المسلمين ، وتمزيق وحدتهم وأخوتهم، والنظر في القضايا الإسلامية بما يحقق مصالح المسلمين وآمالهم ، وحل مشاكلهم ، وقد تم تحديد الوسائل التي تحقق أهداف الرابطة، وتم إقرار إيرادات ميزانية الرابطة ، ووضع التنظيمات اللازمة لسير العمل فيها ، منها انتخاب أميناً لها من المملكة العربية السعودية على أن يكون الممثل الرسمي للرابطة لدى سائر المراجع الحكومية والشعبية والإشراف على تنظيماتها،وقد انتخب المؤتمر معالي الشيخ محمد سرور الصبان كأول أمين عام لها .
كـمـا شمل المجلس التــأسيسي للرابطة 21 عضواً منهم سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ (المفتي الأكبر في المملكة) ، وأعضاء يمثلون كافة الدول الإسلامية .
وقد شكر المؤتمر الإسلامي الملك سعود على جهوده لخدمة الإسلام والمسلمين ومناصرة القضايا الإسلامية ، وقدموا شكرهم لجلالته لإنشاء الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ، وعبروا عن بالغ تقديرهم للملك سعود لتقديمه التسهيلات اللازمة لعقد المؤتمر الإسلامي وإنجازاته في إنشاء رابطة العالم الإسلامي(88 ) .

وفـاتــــه:
توفي الملك سعود عن عمر يناهز السابعة والستين عاماً ، بتاريخ السادس من ذي الحجة عام 1388 هـ / 24 يناير 1969م في أثينا ، ونقل جثمانه إلى وطنه حيث صُلّى عليه في المسجد الحرام ثم دُفن بجوار قبر والده وجده– رحمهم الله – بمقبرة العود في مدينة الرياض.


الهوامــــش

1- حمزة ، فؤاد . البلاد العربية السعودية ، ص 6 – 7 .
2- PHILBY, JOHN. SAUDI ARABIA , ERNEST BENN LTD . LONDON, 1955,
( P. 234 –236 ) .
العربية السعودية " فيليب –جون–لندن –1955 – ص 234–236
3- “ Relations with Ibn Saud “ Note prepared by Arab Bureau , Irak Section .� ( P. 81)
( V. I ) .. " Ruling Families of Arabia " 12th. of Jan. 1917 . Archives Editions.
4– العلاقات مع إبن سعود – تقرير من البصرة – 12/1/1917م . ( ص 81 ) .
5– أولا" :
Bidwell , R . “THE ARABIAN PERSONALITIES OF THE EARLY TWENTIETH CENTURY, ( P. 77, 81 , 139 , 140 , 300 , 321 ) .
بيدويل – الشخصيات العربية في أوائل القرن العشرين ( ص : 77 ، 81 ، 139 ،140 300، 321 )
ثانيا" : الظاهري ، أبو عبد الرحمن بن عقيل . ( أنساب الأسر الحاكمة في الاحساء ) بنو حميد، ص 29 .
6- مقابلة مع السيدة / لولوه بنت براح آل كليب من شيوخ المهاشيل من بني خالد ، زوجة نايف بن حمادة بن عبدالله الحسين آل عريعر . وقبلها تزوجت من الملك سعود ودام زواجها عام ، وهي والدة الدكتور عبد العزيز بن نايف العريعر ، لها من العمر تسعون عاما" ، وتقطن في مدينة الرياض وتتمتع بذاكرة قوية . ( أجريت المقابلة في جمادى الثاني 1419هـ – 1998م ) .
7- المصدر السابق .
8- مقابلــــة مع الأميرة / العنــــود بنــــت سعـــــود بن عبد العزيز في صيف عام ( 1998م – 1419هـ ) .

9- مقابلــــة مع الأميرة / حصــــة بنت تـــــركي بن عبد العزيز في جمادى الثاني (1419هـ – 1998م).
10- حمزة ، فؤاد ، مصدر سابق، ص 45.
11- المصدر السابق ، ص 47 .
12- عبدالرحمن الرويشد .
13- AL – MANI , MUHAMED . ARABIA UNIFIED, Published by North American , Inc. 1985 .p 247.
المانع ، محمد . توحيد الجزيرة العربية ، 1985م ، ص 247.
14- مقابلة مع السيدة / لولوه العريعر ، مرجع سابق .
15- ARCHIVE EDITIONS. THE RULING FAMILIES OF ARABIA ,1991 , (V. 1) ,
( P.81).
وثائق بريطانية ( ص 81 )
16- حمزة ، فؤاد: مرجع سابق ، ص 37 .
17-" Memorandum of Interview with Ibn Saud on 15 –16th Dec. 1913 " ( P.133 ) Archive Editions : RULING FAMILIES OF ARABIA (V . I ) .
مقابلة مع الملك / عبد العزيز في عام 1913 م . الأرشيف البريطاني العائلات الحاكمة في الجزيرة العربية.، ص133.
18- حمزة ، فؤاد : مرجع سابق ، ص 37 .
19- المرجع السابق ( ص 38 ) .
20- SAUDI ARABIA by St. John Philby " ERNEST BENN LTD. " 1955 , ( P. 275 – 276 ) .
فيلبي ، جون : مرجع سابق باللغة الانجليزية، ص 275 – 276 .
21- المختار ، صلاح الدين : تاريخ المملكة العربية السعودية " في ماضيها وحاضرها " 2/196 .
22- حمزة ، فؤاد : مرجع سابق ، ص 38 .
23- المصدر السابق ، ص 39 .
24- المختار ، صلاح الدين : مرجع سابق ، ص 224.
25- "A LETTER FROM ABDULAZIZ TO SHEIKH AHMED AL – JABIR 1399 "Archive Editions ( V.I ) , ( P. 327 ) " RULING FAMILIES OF ARABIA " .
" رسالة من الملك عبد العزيز للشيخ أحمد الجابر الصباح (عام 1339هـ ) ، الوثائق البريطانية : مرجع سابق ، ص 327 .
26- المصدر سابق، ص 327.
27- المانع ، محمد : مرجع سابق ، ص 72 .
28- الريحاني ، أمين : تاريخ نجد الحديث ، ص 259.
29- وهبة ، حافظ : خمسون عاما"في جزيرة العرب ،ص 145.
30- وهبة ، حافظ : خمسون عاما في جزيرة العرب ، ص 147.
31- HABIB , JOHN . IBN SAUD’S WARRIORS OF ISLAM , Printed by Leiden , E. J , Brill , 1978 , ( P. 138 ) .
حبيب ، جون . مقاتلين إبن سعود لنشر دعوة الإسلام ، ص 138.
32- المصدر السابق ، ص 136 ) .
33- المانع ، محمد : مصدر سابق ، ص 96 .
34- المصدر السابق ، ص 106 .
35- المصدر السابق ، ص 129 .
36- عطار ، أحمد عبد الغفور . صقر الجزيرة 2/1071 – 1081 .
37- المانع ، محمد :مصدر سابق ،ص 210 .
38- مقابلة هاتفية مع الدكتور / عبد العزيز بن نايف العريعر، نقلا عن والده نايف رحمه الله الذي شارك في هذه الحرب مع الملك سعود ( جمادى الثاني 1419هـ ) .
39- العثيميين ، عبد الله الصالح : تاريخ المملكة العربية السعودية ، 2/282 .
40- المصدر السابق ، ص 282 .
41- المانع ، محمد : مصدر سابق، ص 211 .
42- Eden " ANNUAL REPORT " 1935" CONFIDENTIAL " ( N0 64 ) From A. Ryan to Mr. " Political Diaries of The Arab World " (V.5 ) , ( P. 283 )
وثائق سرية بريطانيةالتقرير السنوي لعام 1935 م، ص 283 .
43- المختار ، صلاح الدين : مصدر سابق ، 2/403 .
44- JEDDAH REPORT " JUNE 1933 Confidential N0. 8 ( P. 431 ) – ARCHIVE" EDITIONS . Political Diaries Of The Arab World . ( V. III ) .
وثائق بريطانية ، تقارير من جدة عام 1933 م ، ص 43 .
45- " JEDDAH REPORT " April 1935 N. 8 Confidential . Political Diaries .World ,
Of The Arab IBID "( V. IV ) , ( P. 23 )
وثائق بريطانية ،تقرير من جدة عام 1935م ، ص 23 .
46- المصدر السابق ، تقارير من جدة عام 1935م ، ص 286 .
47- " HIGH COMMISSIONER FOR PALESTINE , JERUSALEM " Confidential SEPT. 1935" RULING FAMILIES OF ARABIA " ( V . I) ,( P. 640 ) .
وثائق بريطانية ، تقارير من فلسطين عام 1935م ، ص 640 .
48- " FOREIGN OFFICE REPORT N. 191 11th. OF JULY 1935 " RULING FAMILIES OF ARABIA" ( V.I ) ( P. 636) .
وثائق بريطانية ، تقارير من وزارة الداخلية البريطانية 1935م ، ص 636 .
49- " ANNUAL REPORT , 1936 " from Bullard to Mr. Eden . Confidential . " Political Diaries " ( V.V ) ,( P. 286) .
وثائق بريطانية ، التقرير السنوي 1936م ، ص 286 .
50- " POLITICAL AGENCY , BAHRAIN , 25 Th. Dec. 1937 . Confidential .
51- " RULING FAMILIES OF ARABIA " ( P. 678).
وثائق بريطانية ، تقرير من البحرين ( 1937 م ،ص 678 .
52- " ANNUAL REPORT OF SAUDI ARABIA , 1946 " " Political Diaries " ( V . V1) , ( P. 93 ) .
وثائق بريطانية ، التقريرالسنوي 1946م ،ص 93.
53- " BRITISH EMBASSY , JEDDAH " . 12 Th. OF FEB. 1948 " Political Diaries (V.VI) ,p.104.
54- وثائق بريطانية ، تقرير من السفارة البريطانية ( 1948 م ، ص 104 .
55- " SAUDI AMERICAN RELATIONS " BY Benson Lee Grayson . University Press of America , 1982 ( P. 69 ) .
لي غرايسون ، العلاقات السعودية الأمريكية ، ص 69 .

56- " ANNUAL POLITICAL REVIEW FOR 1947 " Political Diaries "( V.6 ) , P.104.
مصدر سابق وثائق بريطانية ، التقرير السنوي ( 1947 م K ص 104.
57- " A REPORT FROM SIR R. BULLARD TO VISCOUNT HALIFAX " DEC. 19,1938 Archive Editions, " RULING FAMILIES OF ARABIA " , ( P. 742 ).
وثائق بريطانية ( 1938 م ، ص 742 .
58- " BRITISH EMBASSY REPORT " 12 th. FEB. 1948, Political Diaries " . (V . VI) , ( P. 101).
وثائق بريطانية ، تقرير من السفارة البريطانية بجدة ( 1948 م ، ص 101 .
59-" SECRET SECURITY INFORMATION " N0. 129 , EMBASSY IN JEDDAH , THE DEPARTMENT OF STATE , WASHINGTON , NOV. 16
Subject : " REFORMS UNDERTAKEN BY THE CROWN PRINCE " ." The Struggle between the two Princes " Edited by " Ibrahim Al – Rashid " ( P. 70 ) .
وثائق أمريكية . تقرير من السفارة الأمريكية بجدة ( 1952م ، ص 70.
60- " ANNUAL REVIEW FOR 1949 , " SAUDI ARABIA" FEB. 28,1950 Confidential . Political Diaries. ( V. VI.) , (P. 119).
وثائق بريطانية ، التقرير السنوي ( 1949م ، ص 119 .
61- " ANNUAL REVIEW 1952 , "SAUDI ARABIA""Political� Diaries. (V. VI.), ( P. 111 –169).
وثائق بريطانية ، التقرير السنوي ( 1952 م ، ص 111 – 169 .
62- المصدر السابق ، ص 169 .
63- المصدر السابق ، ص 169 .
64-" SECRET SECURITY INFORMATION " N.129 , THE DEPT. OF STATE, WASHINGTON,  NOV. 16,1952 . " REFORMS UNDERTAKEN BY THE CROWN PRINCE IBRAHIM AL – RASHID . ( P. 71 ) .
المصدر السابق . وثائق امريكية (1952م ، ص 71 .
65-" THE BRITISH EMBASSY , JEDDAH " SECRET 26 th. of NOV. 1952 . N0. 142 .RULING FAMILIES OF ARABIA " , P. 439 – 445.
وثائق البريطانية ، تقرير من السفارة البريطانية بجدة 1952م،ص 439 – 445 .
66- " SAUDI ARABIA , ANNUAL REVIEW FOR 1952 " . DESPATCH N0. 4 POLITICAL DIARIES . ( VOL. VI ) , P. 168 .
وثائق البريطانية ، التقرير السنوي 1952م ،ص 168 .
67- الشوري ، ابراهيم . جلالة الملك سعود والحرمين الشريفين ( الجزء الأول ) الحرم النبوي الشريف .
68- " SAUDI ARABIA REPORT 1952 " , ( V.6 ) , P. 167. Political Diaries Of The Arab World .
مرجع سابق . وثائق بريطانية 1952 م ، ص 167.
69- بشناق ، عبد المعين عثمان : الدليل العام للمملكة العربية السعودية ، ص 233 – 234 .
70-“ BRITISH EMBASSY REPORT March 14,1954 “ RULING FAMILIES “ (V.2) P. 512 .
مرجع سابق . وثائق بريطانية ، تقرير من السفارة البريطانية بجدة 1954م ،ص 512.
71- بشناق ، عبد المعين عثمان: مرجع سابق ،ص 196 – 203.
72- المديريــــة العامـــة للاذاعة والصحافة . معلومات عن المملكة العربية السعودية ( 1373 – 1378 هـ ) .
73- الرعاية الصحية الأولية في المملكة العربية السعودية ،الجزء الثالث .
74- المديرية العامة للإذاعة والصحافة : مرجع سابق ، ص 97 – 83 .
75-المصدر السابق ، ص 49 .
76- المصدر السابق ، ص 56 .
77- المصدر السابق ، ص 28 .
78- بشناق ، عبد المعين عثمان :مصدر سابق ، ص 717 .
79- " BRITISH EMBASSY , JEDDAH , SEPT. 12,1963 , N0. 50 , RECORDS OF SAUDI ARABIA 1963 , ( V . II ) (P. 419 )
وثائق بريطانية ، تقرير من السفارة البريطانية 1963م ،ص 419 .
80- الكيلاني ، كمال : صور من حياة الملك عبد العزيز ، يرويها الأمير / طلال بن عبدالعزيز، ص 109 .
81- " RECORDS OF SAUDI ARABIA " 1963, ( V. II ) , ( P. 420 )
مصدر سابق . وثائق بريطانية1963 م ، ص 420 .
82- " SAUDI ARABIAN REVIEW FOR 1957 " " SAUDI ARABIAN POLITICAL DIARIES " (V. 6), (P. 303).
مصدر سابق – وثائق بريطانية 1957 م ، ص 303 .
83- ليسي ، روبرت . المملكة ، ص 221 .
84- المصدر نفسه ، ص 223 .
85- MECHIN , BENOIST . LE ROI SAUD , PARIS , 1960 ,( P. 488).
ميشان ، بينوا . الملك سعود ، ص 488 .
86- " ANNUAL REVIEW FOR 1957 " POLITICAL DIARIES . (V. 6 ) , ( P. 294 ) .
مصدر سابق وثائق بريطانية ، التقرير السنوي 1957م ، ص 294.
87- ANNUAL REPORT " 1957 ( V. 6 ) , ( P. 294 ) POLITICAL DIARIES " .
مصدر سابق. وثائق بريطانية ، التقرير السنوي 1957م ، ص 294 .
88-ANNUAL REPIORT " 1957 POLITICAL DIARIES ( V. 6 )( P. 299 ) .
مصدر سابق . وثائق بريطانية، التقرير السنوي 1957م ، ص 299 .